الوضع التركي الداخلي- مساهمة من الصديق بكر صدقي

ملاحظة أولية: هذه المساهمة من الصديق بكر صدقي في محاولة لاستكمال الصورة حول الوضع السوري ولقناعة التيار بأهمية الدور التركي.

كل الشكر للصديق بكر على هذه المساهمة.

 

نظرة سريعة على المشهد السياسي

في تركيا

 

عنصران یقتحمان العین مباشرةً إذا أراد المرء أن یتحدث عن تركیا ھذه الأیام: الأول ھو انخراط تركیا في عدد من الصراعات الإقلیمیة في محیطھا، والثاني وضعھا الاقتصادي الذي یؤشر ذوبان قیمة اللیرة التركیة إلى وخامته. وفي خلفیة المشھد نرى الملاحقات القضائیة التي لا تنتھي بحق حزب الشعوب الدیموقراطي والتضییق المتصاعد على أنشطته وناشطیه.

تكثر تحلیلات عن التمدد الإقلیمي لتركیا في جوارھا باعتبار ذلك من مظاھر النزعة العثمانیة الجدیدة أو انبعاثاً للنزوع الامبراطوري. لا یمكن إنكار ھذا المیل، ولكن بشرط عدم نسبه إلى “فاعل” یكثر اعتباره حزب العدالة والتنمیة أو الرئیس أردوغان. فالأصح أن ھذا المیل موضوعي ویظھر كنتیجة لخیارات سیاسیة لا علاقة لھا بالتمدد أو التوسع، بقدر ما یتعلق بحسابات داخلیة جداً تتعلق بالرغبة في التمسك بالسلطة أكثر من كونھا تعبیراً عن رغبة في استعادة أمجاد غابرة.

معروف عن أردوغان أنه بارع في الحسابات الانتخابیة وفي استثمار أي فرصة لزیادة شعبیته والنیل من خصومه السیاسیین، ویواظب على قراءة تقاریر أسبوعیة قائمة على استطلاعات رأي یوصي علیھا شركات الاستطلاع العاملة، لیبني على تلك التقاریر برنامج عمله الیومي.

وھناك تقدیرات تتحدث عن أن شعبیة الحزب الحاكم مع حلیفه القومي، وضمناً شعبیة أردوغان، تتراجع باطراد بسبب الأزمة الاقتصادیة قبل كل شيء، وبدرجة أقل بسبب نزوعه السلطوي المتفاقم باطراد. وإضافة إلى شھوة الاحتفاظ بالسلطة التي نراھا عند كثیر من القادة السیاسیین في كل مكان وزمان، لدى أردوغان مخاوف جدیة من الخضوع للمحاسبة القضائیة إذا فقد السلطة، بسبب الخصومات الكثیرة التي راكمھا طوال نحو عقدین من الزمان، وبین ھؤلاء المؤسسة العسكریة والمؤسسة القضائیة وجماعة فتح الله غولن الإسلامیة، إضافة إلى أحزاب المعارضة بطبیعة الحال، أما الكرد فلا أحد یحسب حسابھم لأنھم الطرف الوحید خارج السلطة والطموح في استلام السلطة معاً.

غیر أن الكرد – للمفارقة – ھم الطرف السیاسي الأكثر خطورة من وجھة نظر السلطة، لأنھم، على ضآلة الحجم السیاسي النسبي لحزبھم (الشعوب الدیموقراطي) لعبوا ویلعبون وقادرون دائماً على لعب الدور المرجح. بكلمات أخرى: لا یستطیع الحزب الكردي أن یستلم السلطة في أي زمان، لكنه یستطیع إسقاط سلطة ومساعدة أحزاب أخرى على استلامھا. وفي الواقع كان الحزب الكردي ھو المنافس الوحید للعدالة والتنمیة في المناطق ذات الكثافة السكانیة الكردیة طوال السنوات العشر الأولى من حكمه. وبما أن العدالة والتنمیة لا یمكنه أن یتطلع إلى اكتساب أصوات العلمانیین، فقد كان قسم من الكرد یشكلون خزاناً بشریاً مضموناً له في الانتخابات. أما بعد حرب السلطة على المناطق الكردیة في صیف العام 2015، فقد تضاءلت شعبیة الحزب (وأردوغان) إلى حد كبیر بین الكرد. أما الوجه الآخر، الترجیحي، للكرد فقد ظھر جلیاً في الانتخابات البلدیة 2019، وبخاصة في انتخابات الإعادة في حزیران. فما كان لحزب الشعب الجمھوري أن یحلم باقتناص بلدیات إسطنبول وأنقرة وأضنة لولا دعوة الحزب الكردي ناخبیه للتصویت لمرشحي الحزب الجمھوري.

لم یھضم أردوغان، إلى الیوم، تلك الخسارة الكبیرة في الانتخابات البلدیة، ویعمل ھو وحزبه كل ما في وسعھم لعرقلة عمل أكرم إمام أوغلو ورؤساء البلدیات الآخرین من الحزب الجمھوري. أحدث مثال على ھذا السلوك ھو الاجتماع الطارئ الذي دعا إلى انعقاده وزیر الصحة فخر الدین كوجة للتباحث حول عودة استفحال وباء كورونا في المدینة. فقد حضر الاجتماع كثیر من ممثلي المؤسسات المعنیة، لكن رئیس البلدیة إمام أوغلو لم یدع إلیه، تصرفت السلطة وكأنه غیر موجود. ھذا من غیر أن نذكر حملات وسائل الإعلام الموالي المتواصلة لتشویه سمعة الرجل في نظر الرأي العام. یتصرف ھذا الإعلام وكأن إمام أوغلو ھو المرشح المنافس لأردوغان على رئاسة الجمھوریة. وھذا ما یرفع من أسھم الرجل، بصورة مفارقة، لدى قسم من الرأي العام بوصلته الوحیدة ھي كره أردوغان والإسلامیین.

بصرف النظر عن ذلك، شكل الصعود المفاجئ لإمام أوغلو، منذ ترشحه لرئاسة بلدیة إسطنبول، ظاھرة لافتة في المشھد السیاسي التركي، وبات یُنظر إلیه، فعلاً، كأحد المنافسین المحتملین لأردوغان على منصب الرئاسة، ومثله الوزیر السابق علي باباجان والرئیس المشارك السابق لحزب الشعوب الدیموقراطي صلاح الدین دمرتاش المسجون منذ 4 سنوات باتھامات ملفقة. أعني أن الثلاثة وجوه شابة واعدة بالتغییر، بخلاف القادة السیاسیین للأحزاب الأخرى الذین أكل الدھر علیھم وشرب.

لنلق نظرة سریعة على سیناریوھات الانتخابات الرئاسیة القادمة من زاویة نظر أردوغان:

ینص الدستور المعدل الذي أقر في استفتاء شعبي عام 2017 على أنه یحق للشخص الواحد أن یترشح لمنصب الرئاسة مرتین فقط. والحال أن أردوغان حصل على فترتین رئاسیتین ولا یحق له الترشح لمرة ثالثة إلا في حالة تقدیم موعد الانتخابات على موعدھا العادي. یرجح كثیرون أن یلجأ أردوغان لھذا الخیار فیدعو لانتخابات مبكرة. لكن إرادته وحدھا لا تكفي لإقرار ذلك، بل سیحتاج إلى ثلثي عدد أصوات مجلس النواب، وھو ما لا یملكه، حزبه وحزب الحركة القومیة معاً في الوقت الحالي. لذلك من المحتمل أن ینتظر الوقت المناسب لاستمالة نواب من خارج الحزبین. السیناریو الثاني الذي قد یلجأ إلیه أردوغان من أجل ضمان الترشح لفترة رئاسیة ثالثة ھي طرح اجتھادات قانونیة بشأن تفسیر مواد الدستور ذات الصلة. فیمكن لحقوقیین موالین أن یقولوا إن ولایة أردوغان الأولى لا تحتسب لأنھا تمت في ظل الدستور قبل تعدیله، ویجب تصفیر العداد بعد التحول إلى النظام الرئاسي في الدستور المعدل. لذلك نلاحظ منذ الآن أن جبھة السلطة بدأت الھجوم مبكراً على المحكمة الدستوریة العلیا التي لم تتمكن السلطة من استتباع جمیع أعضائھا بعد، بسبب قرارات صدرت عنھا رغم إرادة السلطة التنفیذیة، منھا مثلاً قرار اعترف، ضمناً، للمرة الأولى في تاریخ تركیا، بقصف طائرات الجیش التركي لقرى كردیة في التسعینات، ومنھا قرارات تتعلق بتبرئة معارضین نالوا أحكاماً قضائیة قاسیة لأسباب سیاسیة. تعتبر المحكمة الدستوریة، من ھذا المنظور، القلعة الأخیرة التي استعصت على السلطة التنفیذیة (إلى الآن) وما زالت تتخذ قراراتھا بصورة مستقلة. فإذا حدث خلاف حول تفسیر المادة المتعلقة بعدد ولایات الرئاسة للشخص الواحد سیكون الفصل في ید المحكمة الدستوریة.

المعارضة:

أحد أھم أسباب طول أمد بقاء حزب العدالة والتنمیة وأردوغان في السلطة (فقد حطم الرقم القیاسي الذي كان حكراً على مصطفى كمال) ھو حالة المعارضة. ما زال حزب الشعب الجمھوري، وھو أكبر أحزاب المعارضة، ینظر إلى العالم بعقلیة الثلاثینات، على ما یقول أستاذ القانون الدولي باسكن أوران، فلم یطور خطابه ولا أداءه ولا استطاع توسیع قاعدته الاجتماعیة، فاكتفى بنسبة ثابتة من أعداد الناخبین لا تتجاوز %25 في أحسن الأحوال، وعلى رغم ادعاءاته الیساریة والدیموقراطیة – الاجتماعیة، فھو أقرب ما یكون إلى حزب نخبوي للطبقة المتوسطة المتعلمة العلمانیة التي لدیھا حساسیة مرضیة تجاه القطاعات الاجتماعیة المحافظة (المتدینة) أضف إلى ذلك وجود تیار قومي متشدد داخل الحزب غالبا ما یكون الخط السیاسي للحزب وممارسته منطلقین منه. ھذا التیار ھو الذي یتصدر التحریض ضد اللاجئین السوریین، وھو الذي یمنع أي تقارب محتمل مع الحزب الكردي.

في رأي باسكن أوران نفسه، وھو مفكر علماني دیموقراطي متخصص في شؤون الأقلیات وحقوقھا، إضافة إلى اختصاصه في القانون الدولي، لیس في تركیا حزب معارض، بالمعنى الحقیقي للكلمة، إلا حزب الشعوب الدیموقراطي (الكردي). في حین أن الأحزاب الأخرى المعارضة لحكم العدالة والتنمیة ھي “أحزاب النظام” تختلف مع الحكم فقط من موقع التنافس على السلطة ولا تقدم بدائل حقیقیة للنظام([1]) القائم.

وفي نظرة سریعة على أحزاب المعارضة الأخرى (أحزاب النظام) سنجد أن أبرزھا ھو الحزب الخیّر برئاسة مرال آكشنر المنشق عن حزب الحركة القومیة ویحمل نفس أیدیولوجیته الشوفینیة ویخاطب القاعدة الاجتماعیة نفسھا. وكانت مرال آكشنر وزیرة الداخلیة في حكومة تانسو تشیلر التي شھد عھدھا أكثر الحملات دمویة ضد الكرد في جنوب شرقي الأناضول، وشھدت تلك المناطق حملات نزوح لسكان قرى بكاملھا أحرقتھا قوات الجیش، فنزح من نجا من سكانھا باتجاه إسطنبول وإزمیر وغیرھا من المناطق الغربیة، في تغییر دیموغرافي ھو الأكبر منذ أیام أتاتورك.

ھناك تسریبات عن أن أردوغان قدم روضا مغریة لآكشنر لتنتقل من موقع المعارضة إلى التحالف مع الحكم، كما دعاھا رئیس حزب الحركة القومیة دولت بھجلي إلى “العودة إلى البیت” (أي الحزب الأم) ویا دار ما دخلك شر. بعد “صمود” آكشنر أمام ھذین الإغرائین بدأت السلطة بالتلاعب داخل الحزب الخیّر، فاتھم أومید أوزداغ (أحد الوجوه القیادیة البارزة في الحزب وأبرز المحرضین ضد اللاجئین السوریین) اتھم رئیسة منظمة الحزب في إسطنبول بأنھا من جماعة فتح الله غولن. وھناك عضو قیادي آخر في الحزب یستعد لتأسیس حزبه الخاص. القصد أن الحزب الخیر الذي یمكن أن یشكل وزناً في أي انتخابات قادمة لصالح تحالف معارض، تعمل السلطة على استمالته أو تفكیكه من الداخل.

ویتعرض الرئیس السابق عبد الله غل الذي یخشى من أن یكون مرشحا منافسا لأردوغان لحملات تشویه منظمة لتقویض مكانته وشعبیته في البیئات المحافظة الإسلامیة. أما أحمد داوود أوغلو الذي أسس حزبه الخاص فلا أحد یعوّل علیه بالنظر إلى احتلاله موقع المسؤولیة الأولى (رئاسة الوزراء) في زمن سابق وعدم إجرائه لأي نقد ذاتي لمسؤولیته عن خطایا تلك الفترة. یبقى وزیر الاقتصاد السابق علي باباجان الذي أسس بدوره حزبه الخاص، یبدو أنه من المحتمل أن یصنع فارقاً في المعادلات السیاسیة الداخلیة، وحزبه لیس إسلامیاً كحزب داوود أوغلو، بل ھو حزب براغماتي یستمد قوته من الفشل الاقتصادي للحكم.

ولكن.. ولكن كل ھذه اللوحة “المعارضة” – حتى لو تجاوزت تنافراتھا الداخلیة وتوحدت حول ھدف التغییر، لا یمكنه أن یفوز على تحالف السلطة – مھما تعرض نفوذه للحت – بدون مساعدة من حزب الشعوب الدیموقراطي. ولا حزب من أحزاب المعارضة لدیه ما یجتذب به الناخب الكردي، وفي أحسن الأحوال یمكن أن یقرر الحزب دعم مرشحي تحالف المعارضة كما حدث سابقاً في الانتخابات البلدیة، فیدعو ناخبیه إلى التصویت لأولئك المرشحین. ولكي یفعل الحزب ذلك یجب أن یتلقى وعوداً إیجابیة على الأقل من أحزاب المعارضة، وھو ما لا تجرؤ ھذه على بذلھا حتى لو أرادت ذلك، بسبب ترھیب السلطة لكل من یتعاون مع الحزب الكردي “الإرھابي” في قاموس السلطة.

لیس ھناك في الأفق ما یشیر إلى احتمال تجاوز المعارضة لعطالتھا الذاتیة وتشرذمھا وتقبلھا لتحالف علني وله نتائج عملیة مع الحزب الكردي.

المجتمع المدني:

لاحظ أحد الكتاب الأتراك أن شعبیة الحزب الحاكم وأردوغان تتضائل باطراد، من غیر أن ینعكس ذلك بصورة إیجابیة على شعبیة المعارضة. “أین تذھب إذن تلك الأصوات التي تتوقف عن التصویت للحزب الحاكم أو حلیفه القومي؟ ولصالح من ستصوت الأجیال الجدیدة التي ستقترع للمرة الأولى في حیاتھا؟”

أحد الأجوبة على ھذا السؤال ھي أنه مقابل تراجع النفوذ الشعبي لجمیع الأحزاب السیاسیة، سلطة* ومعارضة، تتنامى قوة منظمات المجتمع المدني التي تمارس السیاسة من منظور مختلف عن المنظور الحزبي. ھناك بصورة خاصة تنامي قوة المنظمات النسائیة والمنظمات المدافعة عن البیئة. تشھد شوارع إسطنبول مظاھرات حاشدة في یوم المرأة العالمي وكذلك احتجاجاً على إجراءات أو جرائم تقع على نساء. وحین أبدت السلطة رغبتھا في الانسحاب من معاھدة إسطنبول([2]) تصاعد النضال السلمي للنساء بصورة لافتة ضد ھذا الانسحاب وأرغمت السلطة على التراجع عنھا. وكان للمنظمة النسائیة لحزب العدالة والتنمیة دور كبیر (وخطیر) في نجاح الحملة، فھي المرة الأولى التي یحدث فیھا تمرد داخلي بھذا الحجم داخل الحزب ضد قیادته. وھو ثاني إنذار كبیر للسلطة بعد تصویت قسم كبیر من ناخبي حزبي التحالف السلطوي لصالح مرشح المعارضة لانتخابات رئاسة بلدیة إسطنبول في حزیران 2019.

***

[1] . 181 ملیار دولار حجم الدیون الخارجیة لتركیا إضافة إلى اختلال المیزان التجاري بمقدار 35 ملیار دولار. صندوق النقد الدولي یتوقع انكماشاً بنسبة 5% للاقتصاد التركي، وھو ما یعادل تراجع متوسط دخل الفرد من 8000 دولار حالیاً إلى 7500 السنة القادمة.

[2] . معاھدة إسطنبول ھي معاھدة دولیة أقرھا مجلس الاتحاد الأوروبي لمكافحة التمییز ضد النساء ومكافحة الجرائم الموجھة ضد النساء والجرائم داخل الأسرة. وحملت اسم إسطنبول لأنه تم إقرارھا في اجتماع عقد في إسطنبول في عام 2013 وكانت تركیا من أولى الدول الموقعة علیھا. وفي السنوات الأخیرة ھناك تصاعد ملحوظ في جرائم القتل ضد النساء، وأحد أسبابھا تساھل القضاء مع تلك الجرائم في تعارض مع التزام تركیا بالمعاھدة المشار إلیھا.

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة