المنظمات النسوية السورية في الحرب السورية؛ تجارب وشهادات – وجدان ناصيف

img

الملخص

يحاول هذا البحث الإضاءة على بعض التجارب لناشطات نسويّات عملن وساهمن في تأسيس منظمات عمل مدني وضعت على عاتقها العمل على أجندات نسوية شملت؛ تمكين النساء وايصال أصواتهن واشراكهن في صناعة القرار ومناهضة العنف والتمييز ضدهن، وتحاول من خلال هذه الشهادات المساهمة في تظهير دور هذه المنظمات وعلاقتها بالداعم ثم الخروج ببعض التوصيات الواقعية من أجل الحصول على نتائج أفضل لعمل النسويات الشاق على أرض الواقع. تتطرق هذه الورقة لهذا الموضوع من خلال المحاور التالية :

في إشكالية المجتمع المدني

  • أدوار ووظائف المنظمات الدولية في بلدان النزاع
  • عرض بعض التجارب حول نشأة بعض المنظمات ودورها
  • صناعة الحرية والمساواة
  • التمويل: ضرورات الدعم واشكالياته
  • الخلاصة

مقدمة

    مع تحول الثورة السورية إلى حرب في نهاية عام 2011، نتيجة للعنف المفرط الذي استخدمه النظام، بدأت تظهر في كل منطقة على حدة، مجموعات عمل طارئة، فاعلوها من الناشطات والنشطاء المحليين، كلجان التنسيق (المحلية) على سبيل المثال، وهي كالانتفاضة السورية؛ عفوية، بلا عمود فقري وطني تقوم عليه، كما أن لا قيادة مركزية موحدة لها ولا استراتيجيات حازمة، أخذت هذه المجموعات على عاتقها التخفيف من الآثار المدمّرة للعنف على المجتمع، طورت تجربتها وعدّلت من أولوياتها وتضاعفت أعدادها لتعرّف عن نفسها فيما بعد  باسممنظمات مجتمع مدني؛  وهي تشمل كافة التجمعات والمنظمات والهيئات والمجموعات (دون الدخول في صحة ومشروعية الوصف)؛ التي عملت لحماية ودعم وإغاثة المدنيين خلال السنوات العشر الماضية، فأطلق على ساحة العملالمجتمع المدني السوريوأصبحت هذه الساحة الفضلى للنساء السوريات، حيث وضعن فيها جلّ جهودهن ووقتهن وأفكارهن، فهي لم تكن فقط الساحة الوحيدة المتوفرة للعمل الآمن نسبيًّا، بل إنّها أثبتت قابلية للتعامل مع المتغيرات المتسارعة على الساحة بديناميكية ومرونة، في مقابل بطء وجمود العمل السياسي، كما أنّ العمل المدني الذي يفترض أنّهحيّاديوبعيد عن الاستقطابات السياسية والعسكرية، شكّل عامل جذب للداعمين من المنظمات الدولية والمنظمات الدولية غير الحكومية التي لم تعد ترى إنجازات حقيقية في مسار العملية السياسية من قبلأطراف النزاع، ليتحول دعمها باتجاه هذه المنظمات لكونها تشكلامتداداً للمستويات المجتمعية المختلفة باعتبارها عملية مجتمعية تشاركية، لا كينونة ثابتة” ()

إلا أن هذا فرض على النساء جملة واسعة من التحديات، فبين ساحة العمل السياسي؛ التي تدار بعقلية ذكورية وتقصيهن وتقلل من شأنهن كشريك وفاعل سياسي، وبين ساحة العمل المجتمعي المبني على التراتبيات الهرمية العائلية والعشائرية والدينية والطائفية والمناطقية؛ التي تقصي المرأة وتضعها أسفل الهرم، تعمل النسويات السوريات من خلال منظمات المجتمع المدني على إيجاد مساحة لهن، مساحة بدأت تتوضح وتتكشف مع مرور الوقت من خلال التجريب والتعلم من التجارب الفاشلة، فتقليد التجارب الأخرى دون دراسة السياق السوري الاستثنائي يبدو إضاعة للجهد والوقت، لكنمن لا يخطئ من الصعب أن يكتشف.”()

في إشكالية المجتمع المدني

بين تصور المنظمات الدولية عن دور وأنشطة المنظمات النسوية، وبين الواقع الفعلي الذي تعمل فيه النساء، فارق شاسع، يُستَدل عليه من خلال الأجندات المشوشة والبرامج غير الممنهجة والأنشطة غير المكتملة غالبًا، وكذلك من خلال عدم التمييز بين الهدف والآليات في كثيرٍ من الأحيان، فتصبح الآليّة هدفًا ليتراجع هذا ويغيب أحيانًا، لكن هناك حقيقة تعترف بها معظم الناشطات في المجتمع المدني بأنّه لم تقدم لهن الورشات والتدريبات والمحاضرات والأنشطة التي تقدمها المنظمات المانحة بقدر ما علمتهن ودربتهن تجاربهن العملية على أرض الواقع؛ الذي تختصره (رولا الركبي) () بالقول: عندما بدأت بالعمل مع النساء المهجرات في لبنان اكتشفت أننا كنسويات كنّا نعيش في فقاعة، ولا نعرف شيئًا عما تعانيه النساء في قاع المجتمع.

التدريب من خلال التجريب؛ مراجعة الأولويات كل حين واختبار أدوات جديدة ومحاولة تطويرها، كذلك اختبار الفشل والتهميش والتنمر وتفكيك التحديات لمواجهتها، كانت غالباً القاعدة التي تحكم العمل المدني النسوي السوري خلال السنوات العشر الماضية.

من أجل فهم الآراء والمواقف المتناقضة من المجتمع المدني والمنظمات النسوية على وجه الخصوص، وتفهم محدوديّة أثرها يجب الانطلاق من حالة الجدل الدائرة حول المجتمع المدني عمومًا، حيث ينقسم السوريون في موقفهم من المجتمع المدني، فهناك من يبالغ بأهمية دوره في المرحلة الحالية من النزاع، وبالمقابل هناك من يبالغ في التقليل من شأنه.

القسم الأول يجد في ساحة الفعل المدني بديلًا مؤقتًا إلى أن يجتمع الشعب السوري على  بديل شرعي لقيادته، هذا يأتي نتيجة لرؤية مفادها أن كلا الطرفين، النظام والمعارضة، لا يوليان اهتماماً كافياً بحماية المدنيين ولا يتعاملان بمسؤولية مع الكوارث الإنسانية والمجتمعية والاقتصادية التي يسببها النزاع على حياتهم وأمنهم.

فيما يعتبره قسم آخر ظاهرةترندغربيّة، دخيلة على مجتمعاتنا وبوابة للتدخلالأجنبيفي السياسة الوطنية، لذلك هم يركزون على الأجندات الغربية المسقطة وعدم انسجامها مع واقعنا وشروطه المعقدة، فينظرون بعين الشك لداعميه وتمويلاتهم، فالمنظمات التينمت كالفطرخلال سنوات الثورة، وفق وصفهم، أفقدت الثورة فاعلين حقيقيين، تحولوا إلى موظفين وكتبة تقارير لدى المنظمات الدولية، فأفرغوا مفهومالعمل التطوعيمن محتواه في السنوات الأخيرة، كما أن الخطط والبرامج تبدو غير مدروسة ومشوشة أو مسقطة بالمظلة ولا تتناسب مع الواقع السوري الحالي، الاستثنائي والمعقد.

فيما يرى قسم ثالث أن المجتمع المدني الذي تشكل بعد الثورة كان أحد مكتسباتها، وإن لم تسمح له حالة الصراع العنيف أن يتشكل بخصائصه المفترضة كما في زمن السلم؛  كـمجتمع متعدد وتعددي، مبني على التنوع والاختلاف ليقوم بوظائفه الرقابية والرصدية والنقدية()، إلا أنّه استطاع إنجاز بعض مهماته رغم ذلك، بدءًا من العمل في المجال الإنساني والإغاثي، إلى التوثيق ورصد الانتهاكات وغيرها الكثير، لكن قبل كل ذلك يحسب للمجتمع المدني السوري أنّه دفع بشركاء جدد إلى ميدان الشأن العام كالنساء والشباب وفئات أخرى مهمشة.

تظهر هذه الآراء المتناقضة على نحو أكثر وضوحاً في تقييم المنظمات النسوية وعملها وبرامجها وأثرها على الأرض، هنا تبدو الشريحة التي تصفها بالترندالغربية، أكثر اتساعاً، خاصةً وأنها أدخلت مفردات جديدة على الفضاء السوري العام مثل: الجندر، النسوية، تمكين المرأة وغيرها، فنرى أنها تتعرض على نحو كبير للتشكيك وكيّل التهم حولأجنبيتها، وعدم واقعية عملها على الأرض، ويأتي الاهتمام الدولي بإشراك النساء سياسيًّا ليزيد من شدة الضوء المسلّط على تجاربهن، ويحملهن المزيد من الأعباء التي لا تتناسب مع إمكانياتهن الواقعية، فالحراك النسوي يواجه الكثير من الخصوم وتتقاطع مصادر القهر المختلفة، السياسية والمجتمعية والاقتصادية في مواجهته، وتضاف إليها الحرب وآثارها المدمرة، لتضاعف من قهر النساء وتقلل من أثر جهود الناشطات على الأرض.

إن ساحة العمل المدني بالنسبة للنسويات ليست ساحة للانتصار، هي ساحة للتدرب والعمل البطيء واستنبات الفكر النسوي الذي قد لا يزهر قبل مضي الكثير من الوقت.

أدوار ووظائف المنظمات الدولية في بلدان النزاع

يدرج المنتدى الأوربي للوقاية من النزاع ومعالجتها ECCP قائمة طويلة بأدوار ووظائف الفاعلين الدوليين في مناطق النزاع () تتلخص بالعمل على السياسيات المجتمعية ودعم الإصلاحات في مجال التعليم وتمكين المرأة، ونبذ العنف، وحوار الأديان، وحماية اللاجئين وتأمين عودتهم الآمنة، وضمان أمن الأقليات، والدعم النفسي لضحايا الحرب وكذلك مبادرات التعامل مع الماضي بعد انتهاء النزاع، وبناءً على ذلك يعمل هؤلاء على تنفيذ هذه الأجندة من خلال فاعلات وفاعلين محليين كي تجد تطبيقاتها على الأرض من خلال العمل على برامج تعزز مفاهيم السلام وحقوق الإنسان وتمكّن النساء وتساهم في تطوير المبادرات السلمية المحلية وتشكيل مؤسسات جديدة وإصلاح المؤسسات السياسة القديمة ومعالجة المظالم وتعزيز الشعور بالأمن لدى الأفراد والجماعات.

على الرغم من أن الفاعلين الحكوميين والسياسات الدولية تبقى هي اللاعب الأساسي في التدخلات في بلدان النزاع، ومن ضمنها سوريا، إلا أن الفاعلين غير الحكوميين والمنظمات الدولية تعمل بشكل أساسي على برامج فض النزاع ومنع نشوبه من هنا يمكن أن يظهر خطرين:

أولا:ً يمكن أن تفسر بعض المفاهيم من قبل بعض الفاعليين المحليين بمناظير مختلفة مثل مفهومالسلاموالعدالةوالتمكينوغيرها من العناوين الكبيرة للفاعلين الدوليين.

ثانياً: قد تعزز الجهات الداعمة ثقافة التبعية من خلال تصوراتها التكنوقراطية لحل النزاع وبالتالي فإن انسحاب هؤلاء الداعمين الفوري عند اكتمال مهماتهم سوف يشكل خطراً على استمرارية المنظمات في حال لم تطور هذه أدواتها ومواردها لضمان استمرارية دورها بعد انتهاء النزاع

من هنا قد يبدو مبررًا الخوف والتشكيك بالتمويلات والداعمين؛ الذين يتدخلون وفق أجنداتهم وأدوارهم المرسومة مسبقًا والتي قد لا تنطبق على كافة السياقات.

تجارب وشهادات حول نشأة بعض المنظمات ودورها

سننطلق من عرض بعض التجارب هنا إلى القول بأن إمكانيات العمل النسوي وتطويره ووضع الأولويات، بقيت جميعها خاضعة للتجربة ورهينة بالظروف والمتغيرات على الأرض، فغالبية المنظمات النسوية التي نشأت بعد الثورة جاءت دعماً للحراك في المقام الأول ثم تلبية للحاجات الإنسانية وللتخفيف من هول النزاع على النساء والفئات المهمشة ثانياً ثم نتيجة للتهميش والاقصاء لجهود ودور النساء السوريات في الثورة وفي صناعة التغيير ثالثاً، لذلك هي تغيرت بتغير هذا الواقع ، فوضعت أجنداتٍ مؤقتة وحملت بعض الأحيان خطابًا متناقضًا، يعود ذلك لظروف نشأتها العفوية ولتضارب أولوياتها في أحيان كثيرة مع أولويات الداعم الخارجي، وللتحديات الكثيرة التي تقف في وجه النساء السوريات بالإضافة لغياب تجربة عمل مدني صحيّة وواضحة الملامح في التاريخ السوري الحديث تشكل مرجعية للتجارب اللاحقة.

في حزيران من عام 2011 أسست ومجموعة من النساء السوريات تجمعنساء سوريات لدعم الانتفاضة السورية، كان تجمعاً مدنياً متنوعاً وتعددياًّ كما سوريا التي نحلم بها، وضع هدفاً أساسياً للعمل عليه هو تقديم كل الدعم الممكن منّا كنساء للشباب المنتفض في الساحات؛ لكن مهماتنا كانت تتغير مع مرور الوقت، فقد كنا ننتقل من بيت إلى بيت في أحياء دمشق المنتفضة وريفها، نعزي بالشهداء وننظر في حال عائلتهم، نوثّق قصصهم، نضع قوائم بأسماء المعتقلين ونحاول ردم الفاقد التعليمي عند الطلبة الناجين من المعتقل والجرحى، في زياراتنا وفي مشاركتنا في المظاهرات السلمية للنساء في المناطق المنتفضة، كنا نحمل رسائل نابذة للعنف ولخطاب الكراهية، حاولنا تأمين فرص عمل للنساء من خلال انشاء ورش عمل صغيرة في محاولة لحفظ الكرامات وتعزيز ثقافة الاعتماد على الذات، بقينا فترة طويلة نعمل تطوعيًّا ونصرف من جيوبنا، فالأمل كان كبيرًا بأنّها محنة زائلة وعلينا أن نتقاسم الحمل كي ننتصر،  لكن مع ازدياد الأعباء اضطررنا لداعمين، في نهاية 2012 قصفت معظم مشاريعنا الصغيرة والمتناهية الصغر التي بذلنا جهودًا كبيرة لتأسيسها، قصفت ودمرت معها البيوت والمدارس والإنسان، لم يكن لدينا أجندة نسوية ولا حتى أجندة سياسية، كنا نريد فقط دعم الثورة السورية. مبادراتنا ونشاطنا كانت تتشكل على نحو عفوي من خلال التجربة دون خطة ودون برنامج، ومع وصول دفعات مالية صغيرة من مانحين اضطررنا لكتابة تقارير صرف، يمكنني وصفها اليوم بـالطفولية، فنحن حتى ذلك الحين، لم نكن نفهم لماذا يشغلوننا بكتابة تقارير صرف لمبالغ بسيطة كانت تصلنا لدعم مهماتنا الكثيرة، مضى وقت طويل حتى فهمنا الآلية التي يعمل بها الداعمين، فهم ملزمين بتقديم تقاريرشفافةلدولهم وداعميهم، الشفافية، وفق خبرتنا في ذلك الحين، لم تكن قانونًا، بل كانت شأنًا شخصيًّا يرتكز على الإيمان بالقضية.

في 2014 انتهت تجربة النساء الداعمات للانتفاضة السورية، وقبل ذلك كانت الكثير من المناطق قد خرجت عن سيطرة النظام وبدأت العديد من النساء بممارسة النشاط المدني العام، فشكّلن تجمعاتهن ولجانهن نتيجة الحاجة الموضوعية لجهودهن وتلبيةً لشروط برامج ومشاريع المنظمات الدولية غير الحكومية في الخارج، ففي الغوطة كانت الحاجة شديدة لخروج الجميع، نساءً ورجالًا، للعمل في الميدان العام للتخفيف من وطأة الحرب والحصار والتجويع، بالإضافة إلى أن بعض المنظمات الدولية غير الحكومية بدأت تقترح وتمول مشاريع وبرامج لتمكين المجتمع المدني، بعضها كان يشترط إشراك النساء، على سبيل المثال، تقول (نيفين حوتري)(): في عملي المدني في الغوطة تعرفت على أهمية التمكين السياسي للنساء وأهمية إشراكهن، كان هناك برنامج دعم للمجلس المحلي والمنظمات من قبل منظمة دولية، وكان يشترط تشكيل لجنة من النساء والرجال، وحيث أنه لم يكن الاختلاط ممكنًا فقد شكّلنا لجنة خاصة بالنساء، بعدها أصبح لدي قضية موازية لقضية الثورة هي قضية حقوق النساء.  قطعت تجربة نيفين في الغوطة الشرقية نتيجة ترحيلها وعائلتها في العام 2018 إلى إدلب بعد سقوط الغوطة في يد النظام، واستقرت في مناطق شمال حلب، تقول: أنها كانت تشعر بالغربة والوحدة والعجز عن القيام بأي دور إلى أن طلب منها المجلس المحلي من خلال وحدة حماية الاستقرار أن تعمل على تقييم احتياجات النساء في المنطقة، زارت حينها اثنتي عشرة بلدة وقرية في ريف حلب، تقول (نيفين) : قابلت في مهمتي هذه عشرات النساء، الجزء الأكبر منهن كنّ موظفات في قطاع التعليم أو القطاع الصحي، ذكرنّ بأنه وعلى الرغم من أن قطاع التعليم في معظمه يتكون من النساء، إلا أن مجلس التعليم يتكون فقط من رجال، وهذا ينطبق على المجلس الطبي، ثم تضيف : هناك رأيت سوريا، نساء من مناطق مختلفة كنّ قد وصلن قبلي إلى هنا وباشرن العمل، الحديث معهن أعاد لي الأمل بأننا سنكمل من حيث توقفنا، ولا عودة لنقطة الصفر.

تنقسم النسويات في توصيف لدور منظمات المجتمع المدني التي نشأت خارج سوريا بعد الثورة، فبعضهن يرين أن المجتمع المدني الذي نشأ من رحم الثورة لا يمكن أن ينفصل عنمعركة التغيير الديمقراطي والخلاص من الاستبداد، تقول (جمانة سيف) حول تأسيس شبكة المرأة السورية: جاءت فكرة تأسيس الشبكة بعد لقاءنا بشبكة المرأة الديمقراطية الأمريكية في قطر في نهاية 2012، حضر اللقاء العديد من المنظمات الدولية غير الحكومية الداعمة للنساء. بادر مركز أولف بالمة السويدي بعدها مباشرة ودعا حوالي 150 شخصية سورية، غالبيتهم من النساء، للتحضير لمؤتمر تأسيسي للشبكة، ثم عقد المؤتمر التأسيسي في القاهرة عام 2013 وحضره عشرات السوريات والسوريين، حضره أيضًا ممثلي منظمات دولية وجرى نقاش حول الاستراتيجية التي سيتبناها المولود الجديد، لمسنا هناك مزاجًا عامًا لدى  المنظمات الدولية الحاضرة يدفعنا نحو  تبني أجندة نسويةحيادية، تم لمس ذلك بالدعوة للتركيز على حقوق المرأة، لكن فئة كبيرة منا قاومت هذا التوجه، فالتوجه العام كما تقول جمانة: كان يتجه نحو التغيير السياسي وإسقاط النظام،  تصوراتنا كانت مختلفة عن تصوراتهم، ربما كان مرسومًا للشبكة حينها أن تلعب الدور  ذاته الذي لعبته فيما بعد مبادرة نساء سوريا من أجل السلام والديمقراطية؛ التي يمكن وصفها بـمبادرة مجتمع مدنيمتنوعة وتعددية، ضمت نساء علمانيات وإسلاميات من تيارات وتوجهات سياسية مختلفة، ضمت تيارًا مواليًا ونساء حياديات، كان لها دورها في العملية السياسية().

وفي الحديث عن تشكل المبادرة ودورها تقول (أليس مفرج) (): طالبنا المبعوث الأممي، الأخضر الإبراهيمي، ببداية العملية السياسية بأن يتم تمثيل النساء بنسبة لا تقل عن 30% في صفوف الوفد التفاوضي على اعتبار أن مشاركة النساء تشكل قوة ضاغطة في عملية التحول الديمقراطي، ومع تعذر الوصول لمطلبنا خرجت فكرة تشكيل المجلس الاستشاري للمبعوث الدولي، لكننا بقينا غير راضيات على اقتصار دور المرأة على الدور الاستشاري غير الملزم التابع للأمم المتحدة فقط، فانسحبت الكثير من عضوات المبادرة إثر  المؤتمر الصحفي الذي قام به المجلس الاستشاري في مبنى الأمم المتحدة والذي قام بالتصريح بضرورة رفع العقوبات الاقتصادية عن النظام السوري والذي لم يكن متفق عليه في وثيقة المبادرة التي نصت على أن رفع العقوبات سينتج عن تحقيق التسوية السياسية،  لكن يمكن القول أن المبادرة استطاعت مع غيرها من المنظمات النسوية والنسويات المستقلات بالإضافة لضغط المبعوث الخاص السيدغير بيدرسونفي وصول نسبة تمثيل النساء إلى 28% فيالثلث الثالثأوالثلث الخاص بالمجتمع المدني  في اللجنة الدستورية. وأشارت لينا وفائي():  أن تأطير المرأة في العمل المدني والاستشاري واستخدام حضورها الشكلي لتحسين صورة المعارضة، خلقت حالة رفض في صفوف النسويات فتشكل اللوبي النسوي السوري() عام 2015 من أجل الضغط لتمكين النساء واشراكهن ومناصرتهن، وتشكلت الحركة السياسية النسوية السورية() عام 2017 من نسويات سياسيات يسعين لأخذ أماكنهن في صناعة القرار السياسي، وعملت تجمعات ومنظمات كثيرة على حملات لتميكن المرأة وإيصالها لصناعة القرار مثل شبكة المرأة السورية وغيرها.

على الرغم من محاولات النساء الدخول كشريك في العملية السياسية، إلا أن وجود النساء على طاولة الحل التفاوضي باعتباره صمام أمان لسلام مستدام، لا زال متواضعًا وغالبًا بقي وجودًا شكليًّا، فقد استخدمت المعارضة النساء كما استخدمهن من قبلها النظام من أجل تحسين صورتها أمام القوى الدولية، مما خلق تحدٍ جديد أمام النسويات السياسيات والمنظمات النسوية التي تناصر اشراك النساء الفعلي في كل مراحل الحل السياسي.

صناعة الحرية والمساواة

ركزت غالبية المنظمات السورية في السنوات الأخيرة على برامج تمكين النساء والتوعية بحقوق المرأة  ومناهضة التمييز ونشر ثقافة اللاعنف، تبدو النتائج متواضعة قياسًا بالمجهود الكبير والوقت والأموال التي صرفت، فهناك عوامل كثيرة تلعب في إعاقة إحراز نتائج، كالحرب ومفاعيلها وتطوراتها على الأرض، وكذلك حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها معظم المنظمات والناشطات، خاصة في مناطق المعارك، يضاف إليها تنوع وتعدد وتبدل قوى السيطرة على الجغرافيا السورية المقسمة والمقطعة الأوصال، تقول (رولا الركبي): نحن نعمل في ظروف صعبة، يمكننا القول أننانحفر في الصخر، وأمامنا الكثير من المعيقات، الحرب ومفاعيلها، التهجير وانعدام كل مقومات الأمن الاقتصادي وغيرها، أهم من كل ذلك لدينا عقلية النساء أنفسهن، لكن من الضروري أن نستمر في عملنا الذي يحتاج لجلد ونفس طويل، وبشراً أحراراً قبل كل ذلك.

بدأت تتوضح من خلال التجربة للنسويات العاملات في المجتمع المدني أن إحداث أي تغيير مجتمعي وتحقيق الأجندات النسوية من خلال بعض الأنشطة يتطلب البحث عن شركاء محليين وقبل كل ذلك تشكيل شبكات بين المنظمات لتقاسم الأدوار والتشاركية، فالمنظمات العاملة على برامج التمكين السياسي للنساء في الداخل السوري تدرك أن التمكين الاقتصادي وتأمين الحماية هي أولوية لا يمكن القفز عنها، لكنهن يعملن على حلّها عبر شبكات تواصل لا تزال في اطارها الشخصي ولم تتطور لتبني تشاركية بين المنظمات، فعلى سبيل المثال تقول (سعاد أسود)(): من الصعب اليوم أن نعود للتدريبات المهنية أو الدعم الإغاثي، نحنا صرنا في مكان متقدم، لكننا ندرك أن حاجة النساء لإعالة أسرهن هي الأولوية بالنسبة لهن لذلك نقوم بالتواصل مع منظمات نسائية أخرى من أجل دعم النساء اللواتي يحتجن لتمكين مهني أو لحماية من العنف أو غير ذلك، غالبًا نتواصل مع هذه المنظمات من خلال معرفتنا الشخصية بهن.

وترى (ميادة قدور)() أن توعية نساء غير عاملات وغير قادرات على الاستقلال اقتصاديًّا واجتماعيًّا، قد يزيد من أعبائهن وقبل ذلك من اغترابهن عن المجتمع والمحيط، لهذا تحتاج النساء لدعم كل المجتمع

وأما عن الحلفاء المجتمعيين فقد ذكرت (جنى ناصر)() أن رجال الدين في السويداء كانوا حلفاء حقيقين لمنظمات المجتمع المدني وللناشطات النسويات عند العمل على حملة ضد وصّم النساء العائدات من معتقلات داعش، فهؤلاءلهم تأثير كبير في المجتمع المحلي، وذكرت (نيفين حوتري) أنهن يلجأن أحيانا للمجالس المحلية لدعم أنشطتهم وحمايتهم من القوى التي تعادي نشاطهن، وأضافت: حقيقة كوننا بنات هذا المجتمع تحمينا من الكثير من التهم من قبيل احضار مفاهيم غربيّة غريبة عن المجتمع أو أننا نزعزع بنية الأسرة والمجتمع، وهو ما تؤكده (رولا الركبي) حيث تقول : إن القوانين رافعة للمجتمع بالتأكيد، لكن بالتوازي من العمل السياسي والحقوقي الذي تقوم به النسويات يجب العمل على القاعدة المجتمعية، يجب أن تصبح حقوق المرأة شأنًا عامًا، ويجب أن يقتنع الجميع أّنّه عندما تتحرر المرأة يتحرر المجتمع

عند النظر لاختلاف السياقات من منطقة لأخرى يتوجب على الناشطات البحث عن أدوات تمكنهن من تنفيذ الأجندات النسوية، ففي ادلب وريف حلب الشمالي حيث تعمل ميادة وسعاد ونيفين على نشر ثقافة حقوق المرأة، تبدو هذه المهمات في غاية الصعوبة ومحفوفة بالمخاطر،  لذلك هنّ يتعاملن مع كل نشاط على حدا من حيث الأدوات والحلفاء المحليين، على سبيل المثال تقول (سعاد أسود): نحن نعتبر الأجندة النسوية أولوية، لكن من الصعب جداً في وضعنا الحالي المجتمعي والعسكري أن نتحدث عن كل حقوق النساء، نحن نركز على المواضيع التي يمكننا العمل عليها دون التعرض للمخاطر قدر الإمكان، استطعنا التأثير في بعض الفئات في حملاتنا ضد زواج القاصرات لكن بالمقابل نضطر لاستخدام كلمةدعممثلاً عوض عنتمكينأو الابتعاد عن الإعلان عن نشاطاتنا باستخدام مفردات قد تزيد من أعداءنا، وتوضح (نيفين حوتري): عندما أطلقنا مشروعنا لتمكين وحماية المرأة كتبوا لنا على الجدراننساؤنا ممكنات ولا يحتجن التمكين، وقبل أيام سمعنا خطيب الجامع يقول بأن ما نقوم بهحق يراد به باطل، لكننا لم نعد نلتفت، إنما نحترس من أي صدام مع الذين يشككون بعملنا.

هذه الألية في العمل والتي تصفها (نيفين حوتري) بـالسياسة الناعمةقد تكون ضرورية لحماية وضمان استمرارية المنظمات ذات الأجندات النسوية على الأرض، لكنها وإن كانت لن تحرز الكثير من النتائج على أرض الواقع في الوقت الحالي، لكن يمكن ملاحظة مؤشرات نجاحها كما تقول، فهي لم تكن تستطيع التعريف بنفسها كرئيسة لمنظمتها في اجتماعات رسمية قبل سنوات كرئيسة لمنظمة تعمل على تمكين النساء، بالإضافة إلى أنّه يمكن اليوم رؤية النساء في مكاتب المجالس المحلية كموظفات أو كمستفيدات من الخدمات، وإن كان لا زال عددهن متواضعاً قياساً بالمجهود الكبير الذي بذل خلال السنوات السابقة لإشراكهن في صناعة القرار

لا يوجد مقياس معياري لدراسة نتائج العمل المجتمعي وبالتالي من الصعب دراسة جدوى عمل وأنشطة وبرامج المنظمات النسوية، خاصة في الظرف السوري الحالي، إلا أنّه يمكننا القول أن بذور النسوية قد زرعت في مجالات متعددة وفي أفكار النخب لكن إثمارها يحتاج مزيداً من التموضع على الأرض وللوصول إلى السواد الأعظم من المجتمع فمسألة عدم تقبل الأنشطة النسوية في البيئات المجتمعية يقلل من إمكانية توسيع الفئات المستهدفة، فالبرامج غالبًا ما تستهدف مجموعات داخل حلقات الثقة والمعرفة الشخصية، وتبقى محصورة بها إذ  نادراً ما تنشر النسويات ما يكتسبنه من التدريبات والورشات في محيطهن لأسباب أمنية أو مجتمعية؛ بالتالي من المهم التأكيد على أهمية الوصول للبيئة الآمنة عسكريًّا وقانونيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، لأنها كفيلة بتعزيز دور منظمات المجتمع المدني عمومًا والمنظمات النسوية على وجه الخصوص للقيام بمهماتها وصولاً لتحقيق أجنداتها.

التمويل: ضرورات الدعم واشكالياته

يمكن رؤية بعض التمايز بين المنظمات من حيث تركيزها على أولوياتها انطلاقًا من السياق على أرض الواقع وتخليها من ناحية أخرى عن بعض الأولويات من أجل الحصول على التمويل، وتبدو العلاقة مع المانح تحديًا مضافًا للمنظمات المدنية عمومًا داخل وخارج سوريا والمنظمات النسوية على وجه الخصوص، وهناك بعض الاستنتاجات التي توصلت اليها بعض النسويات من خلال تجاربهن، على سبيل المثال:

أولاً: الارتباط بداعم وحيد وإن كان يضمن ديمومة التمويل إلا أنه يمكن أن يؤدي إلى التبعية وبالتالي تغيب أولويات المنظمة لصالح أولويات الداعم؛ أما في حال وجود أكثر من داعم فإن المنظمة تزيد من هوامش حركتها ومرونة أنشطتها، حيث تقول (جمانة سيف): على الرغم من أن شبكة المرأة السورية على سبيل المثال تقوم بأنشطة ملفتة وتبذل جهودًا جبارة في دعم النساء، إلا أن ارتباطها بداعم وحيد يبدو سلبيًّا وفي غير صالحها على المدى البعيد، وذكرت (رولا الركبي) في حديثها عن نشأة منظمة النساء الآن للتنمية بأن المنظمة تعتمد على مانحين متعددين وتتقدم باقتراحاتها لأكثر من جهة، فهي ترسم أولوياتها وخططها وفق الحاجات وبما يتناسب مع السياق لأنها تستطيع أن تستقل عن المانح في حال أراد فرض شروطه، وأضافت: لدينا داعمين متعددين، بالتالي لدينا دعم طويل الأمد ودعم مرحلي، لدينا رؤية ثابتة واستراتيجية نطورها كل سنة، نعمل على الخطة الاستراتيجية في نطاق رؤيتنا وعلى هامشها نأخذ المهمات التي قد تفرضها مشكلة طارئة على الأرض.

ثانياً: تقوم الكثير من المنظمات الدولية غير الحكومية بتمويل برامج تمكين للمجالس المحلية والمنظمات المسجلة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وتشترط غالبًا من خلالها إشراك النساء، لذلك بدأت بعض المنظمات المدنية غير النسوية تضع في أجنداتها برامج وأنشطة تستهدف النساء، قد لا تنطلق من قناعة أو من رؤية استراتيجية واضحة، أو حتى من دراسة السياق بقدر ما تهدف إلى إرضاء المانحين الدوليين، الأمر الذي يزيد من التشكيك بجدوى هذه الأنشطة على الأرض

ثالثاً: هناك حاجة أساسية للجهات لداعمة من قبل منظمات الداخل، فمعظمها منظمات هشّة، تعمل غالبًا دون ترخيص ودون ضمانات ودون حماية؛ وبالتالي تعتمد في كل أنشطتها، حتى الصغيرة منها، على داعم خارجي بدل أن تعمل على تطوير أدواتها من خلال خلق مبادرات تعتمد على الإمكانات الذاتية، ويبدو أنّه من الصعوبة بمكان اليوم التحدث عن الإمكانات الذاتية نظرًا لشحّ الإمكانات، أو بكلمة أدق، انعدامها.

رابعاً: هناك معادلة يجب حلّها لحصول المنظمات على هامش أوسع من الاستقلالية عن الممول، إن كان التمويل الذي يقدم للمجتمع المدني غير خطير في النهاية، عند مقارنته بتمويل الجهات السياسية والعسكرية، لكن على المنظمات المحلية التي تتلقى تمويلات أن تبحث دائما عن مصالحها؛ التي هي مصالح الفئات التي تمثلها وتستهدفها في نهاية المطاف.

خامساً: تبرز إشكاليات التمويل في مسألة العمل كوسيط بين الفاعلات/ين على الأرض وبين الداعم الدولي، وهذا يطال المنظمات النسوية في الخارج إذ أنهن يهمشن المنتج النهائي لصالح الإجراءات المكتبية وإرضاء الداعم، فبالإضافة لفريق الموظفين لدى الداعم، يتوجب تخصيص فريق من الموظفين للمنظمة الوسيطة من أجل المشروع، تقول (جنى ناصر): هناك حلقة هدر تتشكل عند النظر إلى كتلة موظفي الداعم، ثم كتلة موظفي المنظمة الوسيطة وصولاً إلى المنظمة التي تقوم بالنشاط على الأرض، وتؤكد (رولا الركبي)  بأنّه من النافل القول بأن الداعمين أثّروا في تغير مفهوم العمل التطوعي حينحولوا النشطاء إلى كتبة تقارير” .

بالإضافة للمعيقات الموضوعية على الأرض هناك معوقات ذاتية تقلل من النتائج المفترضة للمجهود والمال الذي يصرف على المشاريع والأنشطة يمكن أن نذكر منها:

أولاً: ما يريده المانح لا يتناسب غالبًا مع السياق، والحال أن السياقات تختلف من منطقة لأخرى في الواقع السوري الحالي. وتواجه المنظمات عموماً في الداخل السوري الكثير من التحديات وتتمايز المنظمات النسوية وأدوارها وأدائها من منطقة لأخرى في الداخل السوري، وإن تشابهت البرامج والمشاريع التي يقدمها الداعم، إلا أن ما يحدد أدوارها، أو يحدّ منها غالبًا، هي قوى السيطرة المتنوعة والمختلفة في المناطق السورية المختلفة، ففي مناطق النظام حيث المنظمات غير المرخصة تعتبر هشّة وعملها محفوف بالمخاطر الأمنية، يبدو لبعض الناشطات أن عملهن بلا جدوى، أو يصل الأمر بهن للاعتقاد بأنه ليس لدينا منظمات عمل مدني، إنما جمعيات ومجموعات عمل، لا تدرك أهمية دورها مادامت غير قادرة على إحداث تغيير فعلي على الأرض، وما دامت لا تمتلك أدوات التمكين والموارد اللازمة

ثانياً: المنح الصغيرة والقصيرة الأمد تعطي الفرصة والمساحة للمنظمات الصغيرة والغير مرخصة في الداخل للتصرف بمرونة وفق احتياجاتها كما تقول (سعاد أسود): منظمتي تقوم على الدعم الصغير والقصير الأمد ولذلك نحن استطعنا التحرك بمرونة والانتقال بين العناوين التي يقترحها الممول، فالمشروع الأول عام 2017 كان تحت عنوانحل نزاعات ومناصرة وحيادوالمشروع الثاني كانتمكين المرأةوفي الوقت الحالي نعمل على مشروعالعدالة الانتقالية من منظور النساء، لكن بالمقابل تبدو البرامج والأنشطة القصيرة الأمد غير متكاملة وغير مدروسة على نحو كافٍ، وتعطي انطباعًا بأن المانح لا يعطي أهمية للمنتج حين ينتقل من مشروع إلى آخر، الأمر الذي ينعكس على استراتيجيات المنظمات الصغيرة ويجعلها مشوشة ومرتبكة ويقلل من فرصة إحداث الأثر، تقول (جنى ناصر)” المانح يريد ونحن نتجاوب، كل المنظمات تذهب للعمل على ما يريده المانح، نعمل تدريب في موضوع لبضعة أشهر، فجأة تنتهي المنحة وتوضع الأوراق في الأدراج“.

ثالثاً: معظم المنظمات نشأت خلال الحرب وبالتالي ارتبط معظم اقتصادها بالدعم الدولي الذي يقدم للمنظمات في مناطق النزاع، مما خلق حالةً من التنافس السلبي بين المنظمات، تقول (سعاد أسود): عندما نسمع أن هناك مانحين يريدون العمل على مشاريعالتمكينعلى سبيل المثال، تذهب كل المنظمات وتقدم طلباتها للحصول على المنحة، دون أخذ التخصص والاهتمام والحاجات بعين الاعتبار.

ولأن المساواة والحرية مصنوعتان، وهما من منتجات الجهد الإنساني كما تقول حنة ارندت، فإن العمل الذي تقوم به النسويات السوريات العاملات في منظمات مجتمع مدني هو عمل تراكمي لا يمكن تأجيله وهو يحتاج المثابرة والاستمرارية والابداع في خلق الأدوات، لذلك ربما يمكن اقتراح بعض الأدوات والسبل من أجل الوصول لنتائج أفضل على الأرض:

  1. التركيز على التشاركية وتبنيها وتطويرها كأداة للابتعاد عن التنافس السلبي، وخلق آليات تعزز العمل التشاركي من خلال المشاريع التكاملية، مع احترام التنوع والتخصص والاستقلالية.
  2. إن التجارب تثبت أن التوعية المجتمعية هي قضية كامل المجتمع برجاله ونسائه، وإن بقاء هذه إطار دوائر الثقة والعلاقات الشخصية لن تخدم قضية المرأة. التوعية المجتمعية تتطلب برامج تكاملية متكاملة وطويلة الأمد، فالثقافة المجتمعية، فتحقيق الأجندات النسوية في المشاركة في صناعة القرار وفي الحصول على الاعتراف بالحقوق وتحقيق المساواة يجب أن تصبح قضية مجتمعية.
  3. خلق تحالفات مع شركاء محليين من خلال تفكيك المشكلات والتعامل معها كل على حدا، علماً أنه في الطريق لإيجاد شركاء مجتمعيين يمكن الوقوع في فخ تبني العقلية الذكورية، لذلك على المنظمات النسوية أن تفكك مشكلاتها وتتعامل معهن كلٍ على حدة، وأن تبحث عن حلفاء مؤقتين لكل مشكلة، دون إعماء العين عن الرؤية النسوية التي تعمل في نهاية المطاف على النضال ضد احتكار مواقع القوة والسلطة في التركيبة المجتمعية.
  4. يلزم المزيد من العمل على تطوير أدوات مختلفة لكل مرحلة، وكذلك وضع خطط للتمكين الذاتي للمنظمات من أجل الاستمرار في عملها عند غياب التمويل وانسحاب المنظمات الدولية.
  5. يمكن للجهات المانحة وهي في طريقها للوصول لأهدافها تعزيز ثقافة التنوع والاختلاف والتشاركية لدى المنظمات من خلال العمل على زيادة التمويل للعمل الاستراتيجي، وإيلاء مزيد من الاهتمام بالمنتج على الأرض على حساب الشروط البيروقراطية التي تستهلك وقت الناشطات وتساهم في تغييب مفهوم العمل التطوعي.

خاتمة:

في العمق هناك شيء ما تغير لا نستطيع رؤيته الآن، فالنساء اللواتي أصبح لديهن وعي بحقوق المرأة وحقوق الإنسان، وإن لم تُسمع أصواتهن اليوم، إلا أن هذه ستبقى موجودة في إدراكهن الواعي وستخرج كلمات وأفعال عندما يتوفر الظرف المناسب، فالنساء السوريات في طريقهن لمقاومة الاستبداد السياسي تكشفت لهن مصادر استبداد أخرى، وتوجب عليهن مواجهة القمع السياسي والاستبداد بكافة أشكاله والتسلط المجتمعي الذي يعيق مشاركتهن في الميدان العام ويسلبهن الحقوق ويهمشهن، هن اليوم لديهن نضالًا مركبًا بدأ يتشكل من خلال توضّح تقاطعات مصادر القمع المختلفة، التي تستوجب وضع أجندات نسوية واضحة وتطوير الأدوات وترسيخ التشاركية مع الحفاظ على الاستقلالية والتخصص ومراكمة النضالات بحيث لا يعود بإمكان القوى السياسية أو المجتمعية مستقبلًا أن تتجاهل دور المجتمع المدني والمنظمات النسوية، بوصفها أحد أهم روافد الإصلاح والتغيير وتعزيز وتمكين الديمقراطية في مجتمعاتنا.

مركز أبحاث ودراسات مينا – ١٨-٨-٢٠٢١

Facebook Twitter Email

الكاتب mouwaten

mouwaten

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة