عن النسوية في مقالة – وسيم حسان

img

See the source image

            ما اجتمع موقف السوريين يوماً على أمر، كاجتماعهم على معاداة حقوق المرأة والنسوية، متسلحين بمختلف الحجج والاعذار، وكأن التقليديون منهم على تنوعهميستوطونحيط القضية ويستسهلون نيلها بالقدح والذم او التهكم والتنمر، دون ان يرتجف لهم جفن ودون أن يجدوا ما يرد غيّهم هذا، فتهميش دور النساء والتقليل من حقوق المرأة ورفض مساواتها بالرجل مادة تندرية جامعة نسبياً. ولو اختلف معظم السوريين على كل شيئ، فهم لن يختلفوا فيها، لا ينجو منهم على اختلاف منابتهم ومشاربهم وطوائفهم وطبقاتهمالا من رحم ربي- كما يتجند دستور البلاد المتخلف وقانون الاحوال الشخصية البائسة في تبخيس دور وحقوق المرأة بدءاً من الزواج ونسب الاولاد وليس انتهاءاً بالحقوق المدنية والاقتصادية كحق التعلم والعمل والسكن والانتقال والحرية في الاختيار وصولاً الى طرق الزواج أو الطلاق أو التوريث وما إليه. ولو قدر في موضع مالاسمح اللهأن أنصفت بعض مواد القانون المرأة لتكفلت العادات والتقاليد بالاجهاز على ذلك الحق بشتى الطرق. 

أقول هذا لأتناول تلك الهجمة المستمرة التي انتشرت كالنار في الهشيم في مواجهة النسوية ونشاط النساء السوريات في مناطق سيطرة المعارضة خصوصاً بعيد تصريحات أسامة الرفاعي رئيسالمجلس الإسلامي السوريحينها في السادس من شهر آب/أغسطس ٢٠٢١ وهوالمفتيبعد ذلك بشهر، وخلال عديد خطب ألقاها الشيخ فيمناطق المحررأكدت على الأصالة الاسلامية في مواجهة القيم البشرية الوافدة عبر المؤسسات الدولية، حيث قال الشيخ: ”يودون أن نخسر كما خسروا ولذلك حشدت الدوائر الاستعمارية، دوائر الكفر والضلال في الغرب، جيوشاً أدخلتها إلى بلادنا لتحرف الشباب عن أخلاقهم وعن قيمهم. ليست الجيوش عسكرية هذه المرة، بل مؤسسات تبدأ بالأمم المتحدة وتصل إلى منظمات بعناوين خيرية، عناوين إغاثية، عناوين تنموية، عناوين تدريبية جندت نساءً من أبناء جلدتنا لينشرن بين فتياتنا خاصة، ما يسمونه بتحرير المرأة، ما يسمونه بالجندر، وأن تُمكَّن المرأة من حريتها، عبر دورات مجانية بعناوين مغرية ولكن فيها السّم. هذا والله أخطر من معركة القتال، وعلينا الانتباه إلى هذاالسّوس الذي بدأ ينخر في بلادنا، إنما هو واجب من أوجب الواجبات“ . وانهالت وراء خطبته العصماء تلك التصريحات وعقدت الندوات والملتقيات التي هاجمت شرعة حقوق الانسان الدولية واتفاقية السيداو، وكأن الحرية التي تنادى لها السوريون كانت مفصّلة على مقاس محدد لايمكن تجاوزه، بل معلّبة محددة بشعار سقوط الاسد ولا تشمل المطالبة بحقوق المرأة والمهمشين، وكأن حقوق الانسانرجلا كان او امرأةليست الهدف الأول لأي دعوة تحرر أو تحرك للانعتاق من العبودية والاستبداد عبر التاريخ.

 لقد جاءت الانتفاضة السورية أيها السادة لتفتح بحثاً عميقاً عن الذات ضمن وقائع ومعادلات جديدة، ومستويات تقاطعية عدة. فانطلقت صرخات وحناجر الثورة على السلطة من ناحية، ومن ناحية أخرى دفعت للتفكير بالحقوق المدنية، لتحاول الثورة على تقاليد المجتمع وتطال أفكاره وتعيد النظر بمعاييرة السابقة، ويحسب للنساء السوريات دورهن في كل هذا وبكل المراحل ودورهن في التقاط اللحظةبغض النظر نجحن أم فشلن في معركة النسوية تلكوبسبب المتغيرات الموضوعية التي فرضتها ظروف الانتفاضة والحرب حيث تجاوز الأداء نفسه أحياناً الى مواجهة كل انماط التهميش والعزل السائد ونفض الغبار عمّا تكرس من عفن وفساد وبؤس النظام الأبوي والتسلط الديني السائد منذ آلاف السنين. 

يأتينا هذا الخطاب الاقصائي، كخطاب كراهية يعكس إرادة المؤسسات الدينية الذكورية الاحتكارية التسلطية التي طالما عارضت ورفضت أي دور ذي معنى للمرأة واستقلاليتها، وكرّست مفاهيم إعادة إخضاع المرأة وحجرها خلف الأبواب الموصدةمن خلال استخدام النصوص في غير سياقها أو من خلال دور الدين المحلي المتواطئ مع العادات والتقاليد، علماً أنه في هذه المرحلة بات النساء السوريات يشكلن معظم المسحوقين المهمشين من مجتمع بات مهجّراً مجوّعاً وشبه مدّمر، بفعل المليشيات الاسدية بالأساس والفصائل الاسلامية وقوى الامر الواقع لاحقاً، ما زاد على المرأة السورية هموماً ومسؤوليات فوق همومها. لتفقع الدعوات التحريضية ضد النسويات كالفطر في مناطق المعارضة في ظل انتشار المخاوف على حياة وحرية حركة العاملات أو الناشطات النسويات، وضد الداعمين لهن أيضاً من الرجال كالزوج والاب والأخ، مما يذكرنا بما كنا عليه قبل ٢٠١١ حيث استندت ذكورية حكم الاسد الى مرجعية دينية وليس إلى دستور مدني يضبط قوانين الاحوال الشخصية كلها ولو تلونت أحياناً بمظاهر الحداثة الشكلية.

وبالرغم أن صدور هذا الخطاب عن تلك البيئة الأصولية الاسلامية لم يكن مستغرباً، كما يحصل بالطبع عبر الأصولية المسيحية واليهودية وغيرها من مختلف الأديان والطوائف في موقفها من قيم العصر والعولمة التي فتحت باب الاشتباك هذا على مصراعيه. لكن ما يثير الدهشة والاستغراب صدور هذا الهجوم عن أصوات محسوبة على الحداثة والمعاصرة، حيث راح البعض يشن جام غضبه على النسوية ويطلق مصطلحات منحوتة بعدائية ركيكة كالإعدام النسويوالجهادية النسويةفكيف يستوي التشبيه بين قضية النسوية والمهمشات/ين الانسانية مع العنف والجهادية الإقصائية من حيث الشكل أو المضمون؟ في تجاهل صارخ لمعاناة النساء اليومية في مجتمعاتنا، وتجاهل عشرات القصص التي تردنا عبر الميديا عن تصفيات وقتل تطال نساء عربياتحتى في أوربالا لشيئ إلا لأنهن قررن الانفصال أو اختلفن بالموقف عن زوجهن أو رفضن ذلك الاختيار في الشراكة، واخترن امتلاك إرادتهن في موقف ما.   

وكالعادة يكثر سوق المبررات والمسوغات لهذا الموقف بحجج تبدأ منعدم أولوية النضال النسوي في هذاالمنعطف التاريخيأوالمرحلة المصيرية من تاريخ سورياوصولاً الى اتهام البعض بالتطرف النسوي في مطالبتهن بالمساواة التامة وحق الاختيار للعيش أو الجنس أو الشريك.

وفي هذه الحمأة طالعتنا مقالة الاستاذ عمر قدور (ريم السواس والجهادية النسويةالمدن 2022/08/30 https://bit.ly/3wFa6wq)، الذي يفتعل جهداً ليحشر النضال النسوي بينالجهاديةوالغناء الشعبي والهابط، في مسعى مستهجن لتبخيس نضالات الحركة النسوية السورية، فيكتببالمثل، تنعدم الرحابة في الخطاب الجهادي النسوي بقدر ما هو تكفيري إزاء الرجال، ومن في حكمهم من نساء خائنات لجنسهن الانحدار إلى هذه الأحادية، التي قد نتفهم أنها بدافع الغضب المشروع أحياناً، ما أفقرَ ويفقر المستويات المتعددة من نضالات النساء، والتحالفات المتصلة بكل منها“. 

وبرغم تفهمه للغضب النسوي كما أشار لكنه بالمقابل يمارس تبخيساً وحطاً بل خنقاً للاصوات وشيطنةً لهذا النضال، ليأتي المقالبقصد أم عن غير قصدمتناغماً مع جوقة الشعبوية في قدح وذم الحراك النسوي وربما تعهيره، بالوقت الذي نحتاج فيه للكثير من العمل والدعم والمناصرة كي تتوقف تلك الانتهاكات وتَخرج مجتمعاتنا والافراد من بؤس ذلك الوعي والسلوك. حتى ولو أقرينا براديكالية كثير من النسويات  فهن بالنهاية بشر ومن لحم ودم وغير معصومات، في ظل هول الانتهاكات التي نسمع ونرى، فمع انتشار أنواع العنف والراديكاليات المختلفة في سورياتنا العديدة لماذا يُطلب من النسوية بالذات هنا والآن أن تتخلى عن غضبها وجذريتها؟ فحين باعت داعش مثلاً النساء سبايا في القرن الحادي والعشرين كيف يمكن أن نقابل هذا؟ وكيف سنواجه داعشوهي المرشحة للانتعاشالخفية والمنتشرة في عقولنا؟ وهل يستوي تأجيل مواجهة منظومة هذه القيم والانتهاكات بحجة انشغالنا في توحيد التراب السوري وقضايا الهم الوطني والقومي مثلاً، إن من يترفع الآن عن حقوق النساء أيها السادة ويؤجلها بحجة ضرورات القضايا الكبرى لن يحقق المرادين يوماً فلاطال بلح الشام ولا عنب اليمن لأن قضايا الوطن لا تنفصم عن قضايا الإنسان ببساطة، بل تشكل حرية وحضور المرأة دوماً عماد رفعة الأوطان كما علمتنا تجارب التاريخ من ألمانيا الى اليابان الى كل مكان وزمان.

ومع غياب مؤسسات حماية المرأة ورعاية النسوية في بلادنا المتأخرة والمتشظية بين قوى العنف والتسلط الذكوري، من الطبيعي أن تهاجم الأصوات النسوية لانها تسعى الى كسر الهيمنة الذكورية وتفكيك البطريركية الآبدة في العائلة والدين والمجتمع ولم يكن طبيعياً أن نشهد ذلك من أصوات تحررية داعمة لمشروع حقوق الانسان، ولا يمكننا تمرير الامر كهفوة شاطر، بل عيب بنيوي خفي في عقلنا الذكوري، وعلينا أن لا نهاجم النسوية وألا نترك النسويات وحيدات في مواجهة قمع سلطة الأسد والقوى المتطرفة والمجتمع، والمطلوب العمل بجانبهن وليس تصيّد أخطاءهن وطريقة حديثهن أو ملبسهن كما يحلو لكثير من المرضى الغارقين في ذكوريتهم، سواء كانوا رسامين أو فنانين وغيرهم، من السياسيين المحسوبين على الثورة أيضاَ، ونحتاج الى دعم النضال النسوي واستمرار الدعم الدولي لمنظماتهن في الداخل السوري وخارجه بكل وسائل الدعم المادي والمعرفي، وأن تراعي المنظمات السياسية والمدنية في أنظمتها الداخلية الحضور النسائي الفعّال والواسع بحساسية جندرية وادراك للامتيازات الذكورية وغياب التساوي في الفرص كعوائق موضوعية تقف في وجه مشاركة وحضور النساء.

كم نحتاج أن يخرج نقاش النسوية عموماً والسورية منها خصوصاً من إطاره الشعبوي او مجاله التحريضي في منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي (على أهميته القصوى)، إلى حوار مجتمعي حقيقي عميق، يُدعى للمشاركة فيه مثقفات ومثقفون، ما يفسح المجال لتكوين عقل جمعي معاصر ومحاولة فهم هادئ وتحديد أين تقع أهمية النسوية في القضايا السورية العديدة؟ وهذا ما يتطلب أيضاً أن تطور النسوية أدواتها في مواجهة كل الحروب الشعواء المجتمعية والشخصية السابقة واللاحقة والتي من غير المرجح أن تتوقف.

والحقيقة أن النساء السوريات قد أثبتنأنهن قد هناهن وعزاهنوقادرات على تفكيك هذا الخطاب، كما أن النضال النسويالتحرري بعمقهيعيد باستمرار تشكل نفسه عالمياً في نظرياته وأفكاره وكذلك أدواته، فتضع النسوية نفسها أمام نقد عميق يسمح لها أن تتطور وتبدع تجاربها الخاصة، ما يفرض علينا الانصات إلى ذلك بتواضع وعمق، فالقضية واقعية وراهنية وملحّة، ولم يعد من الممكن تأجيلها أو الاستخفافُ بها أو تجاوزها.

ختاماً لازلت اعتقد أن الانسان الحر امرأة كان أم رجلا هو نسويّ بالضرورة لأن النسويّة تفتح آفاقاً معرفيةً تحرريةً وتساهم ببناء مجتمع خال من التمييز أو التهميش يتمتع فيه كل الأفراد بالحقوق والاحترام المتساوي المتوازن والمستدام.

 فالنسوية بحق قضية الجميع.

وسيم حسان

٩٩٢٠٢٢

الآراء الواردة بالمقال تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة أن تعبر عن رأي الموقع

Facebook Twitter Email

الكاتب mouwaten

mouwaten

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة