عن العملية السياسية السورية – المرحلة الثالثة – موفق نيربية

img

حين قام الأمين العام غوتيريش بتعيين غير بيدرسون ممثلاً للأمم المتحدة إلى المعضلة السورية، قال نيبينزيا المندوب الروسي الدائم، الثقيل الظلّ: يجب على الممثّل الجديد أن يستند في عمله إلى الاتفاقات والتفاهمات التي تمّ التوصّل إليها سابقاً، وأضاف: لدينا القرار 2254 وعملية أستانة واتفاقات سوتشي وإنجازات اللجنة الدستورية.

كان يعني بالطبع أن ما جاء في قوله بعد القرار 2254 هو تفسيراته وتجلّياته العملية، وليس ما يُقال عن بيان جنيف 2012 أو قرارات مجلس الأمن المتعلّقة به. وفي الواقع، تكره الحكومة الروسية وممثّلوها، عموماً مدينة جنيف، في ما يتعلّق بسوريا وحقوق الإنسان والصليب الأحمر، وغير ذلك.
على الرغم من ضجيج الردّ الأمريكي بصواريخ توماهوك على مطار الشعيرات قرب حمص كردّ فعل على قصف النظام لخان شيخون بغاز السارين في شهر إبريل 2017؛ إلّا أن الضجيج المكتوم لوقف ترامب للخطة» السرية» لدعم المعارضة التي حملت اسم «مركز العمليات العسكري- الموك» قد غطْى على ذلك، بفعلته الثانية أعطى إشارة إيجابية إضافية لبوتين وسياسته السورية، قانعاً بالتركيز على تحرير الرقة من «داعش» بعد ذلك في أكتوبر، بقوة طيران التحالف في الجوّ وقوات سوريا الديمقراطية على الأرض. في العام ذاته، انعقدت على مسار أستانة ثمانية لقاءات حتى ديسمبر تكريساً للنجاحات على الأرض، فتعادل بالأهداف مع مسار جنيف خلال خمس سنوات من عمره، الذي عقد جولته الثامنة بدوره بعد ذلك بأسبوع، بعد أن استجابت هيئة التفاوض لتحدّي «الاعتدال» مطلع العام. وفي الشهر السابق على هاتين الجولتين المتوازيتين، قامت هيئة تحرير الشام المتطرفة والمصنفة إرهابية بتشكيل «حكومة إنقاذ» في إدلب، باتّجاه خلق دويلتها الخاصة بها أيضاً. من جهة أخرى، وبشكل متواقت غريب، انعقدت قمة في سوتشي في 22 ـ1 جمعت بين الرؤساء الروسي والتركي والإيراني، معاً مع انعقاد مؤتمر الرياض -2 للمعارضة السورية، الذي خفّف من غلوائها، وضمّ إليها أطرافاً جديدة كمنصة موسكو، وجعلها أكثر استعداداً لخطوات اعتدال إضافية، ملائمة ومتوافقة مع ما حدث على الأرض، وخصوصاً مع الميل الإقليمي والدولي الذي تغيّر هواه، قليلاً في البداية. وعلى أن تحوّلات المعارضة تلك كانت تبدو على عكس هوى تركيا مثلاً، إلّا أن مجرى الأمور أظهر عكس ذلك. ما جاء به مؤتمر الرياض- 2 من تغيير على مسار مؤتمر الرياض- 1، كان شبيهاً بما جرى في خريف 2011 في تشكيل المجلس الوطني، ثمّ نقضه بتشكيل الائتلاف الوطني لتيسير المسار السياسي في خريف 2012، ثمّ نقض الثقة بالائتلاف بتشكيل» الهيئة العليا للتفاوض»، ونقض الثقة بالهيئة الأولى بتشكيل الثانية. ولاحقاً سيتمّ نقض الأخيرة بتشكيل اللجنة الدستورية، بشكلٍ من الأشكال.
قبل تلك التطوّرات الدرامية، كان بوتين قد تحدث في منتدى استضافته أيضاً مدينة سوتشي يوم 19 أكتوبر – قبل مؤتمر الرياض- 2 عن «إمكانية عقد مؤتمر لشعوب سوريا كخطوة تالية لمناطق خفض التصعيد في إطار التسوية السلمية للأزمة». وبعدها، انعقد ذلك المؤتمر فعلياً في أواخر يناير من العام التالي 2018. كان المؤتمر استعراضاً هزلياً من حيث شكله، بحضور حوالي 1500 مدعو بهرج ومرج كبيرين. قاطعت المعارضة الرسمية والغرب المؤتمر، وحضره وفد للفصائل العسكرية بدفع واضح من تركيا، انسحب بسرعة معلناً تفويض الأخيرة بتمثيله. حضر ممثّل الأمم المتحدة، وكان مسروراً بما حصل، خصوصاً من حيث بيان المبادئ – ذي الاثنتي عشرة نقطة – الذي مثّل وسطاً قريباً بشكل ما من محتوى بيان جنيف القديم، على الرغم من احتجاج بعض المعارضة بأنه لم يحتوِ على استبعاد الأسد، ولا على» إسقاط النظام» ولا حتى على» هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات، الذي كرره المعارضون طويلاً وبرتابة لافتة. إضافة إلى بيان المبادئ ذاك، كان مؤتمر سوتشي منعطفاً جديداً ثالثاً في مسار العملية السياسية، وضع بيضه في سلّة «اللجنة الدستورية» التي أُقِرّ تشكيلها، برضا الأطراف الدولية التي كانت ظلالها تحوّم في سماء المدينة. من إيجابيات ذلك القرار- بعد التسليم به- أن تنسيق تشكيل تلك اللجنة بقي في يد ممثّل الأمم المتحدة. اعتبرت المعارضة من جهتها موقفاً بدا غريباً يجمع ما بين مقاطعة المؤتمر والترحيب بمخرجاته، ثمّ استمرّت النقاشات لأشهر حول تركيب تلك اللجنة وعضويتها، حتى تشكيلها من خمسين ممثّلا للنظام، ومثلهم للمعارضة، ومثلهم الثالث ممثلاً للمجتمع المدني، تقاسمته السلطة والمعارضة عملياً.

لم تكن كلّ تلك التفاصيل سلبية، ولكن الانتقال عموماً إلى عصر سوتشي كان مؤشّراً على تدهور إضافي في الوضع السوري وآفاق الحلّ، دلّت عليه جملة قالها لؤي حسين ذاته – رحمه الله- حول أن مؤتمر سوتشي « يقوم بالتأكيد على جثة مفاوضات جنيف» لأن الدول الضامنة – روسيا وتركيا وإيران- هي»المتحكّمة في واقع سوريا». في 19 يناير 2018، قبل المؤتمر المذكور بأقل من أسبوعين، انسحبت وحدات المراقبين العسكريين الروس من منطقة عفرين الكردية شمال غرب سوريا، لتبدأ في اليوم التالي عملية «غصن الزيتون» التركية، وتستمر لثلاثة أشهر، حتى استقرّ نصر؛ الجيش التركي وحلفائه من الفصائل المسلحة، ارتفع بعدها العلم التركي على مبني المجلس المحلي. في الفترة ذاتها أيضاً، نشر الجيش التركي أكثر من 12 نقطة مراقبة عسكرية مع العتاد الثقيل والخفيف في منطقة إدلب، بطريقة تساعد على الدفاع عنها في مقابل النظام وداعميه، وتساعد الأخيرين في لجم هيئة تحرير الشام عنهم. اعتُبر ذلك الإجراء جزءاً من مسار أستانة، حافظ على هدوء نسبي أطول، حتى عاد صوت المارشات العسكرية يصلصل مع إعلان الرئيس أردوغان عن حملة عسكرية أخرى شرق الفرات، أعلن ترامب على تويتر بعده بأسبوع ـ ويا للصدفة! ـ عن انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة. حشدت تركيا آنذاك أكثر من ثلاثين ألفاً من القوات، مع «حلفائها» أيضاً، ثم انتظرت بفارغ الصبر انتهاء الأمريكيين من الانسحاب الذي كان صعب التمرير مع «المؤسسة» الأمريكية، وفراغ الروس بالطبع من إجراءاتهم الخاصة، طال انتظارهم حتى أكتوبر من العام التالي، وبدأت عملية «نبع السلام» حرباً على القوات التي يتصدرها الكرد هناك، لإنهاء خطرها على الأمن القومي التركي، على ما ورد وتكرّر كسبب لمعظم تلك العمليات.
توقفت «نبع السلام» عن التمدّد وتمركزت ما بين تل أبيض ورأس العين، بعد اتّفاق مع كلّ من الروس والأمريكيين، لضمان إبعاد قوات سوريا الديمقراطية ثلاثين كيلومتراً جنوب الحدود الدولية.. مع استمرار التهديد باستكمال الزحف لاحقاً لتأمين مباشر لمجمل تلك الحدود.
في الوقت نفسه، تعزّز الوجود الإيراني، خصوصاً في الميادين والبوكمال وأرياف دير الزور، وأخذ الحرس الثوري يتصرّف وكأنه في بيته، يؤسّس لاستيطان ديني – عسكري يربط الطريق ما بين العراق وسوريا. كما انعقدت جولات عديدة ومملّة للجنة الدستورية، من دون أيّ دخول في الموضوع، مع نهج ثابت للنظام في التهرّب من أية خطوة جدّية، انتظاراً لفرصٍ عسكرية أخرى، واستدامة لحالٍ مريحة له. ومع هذا الجمود، أُعلن تعليق الجولة التاسعة لتلك اللجنة في يوليو الماضي، بعد أن طلب الروس تغيير مكان انعقادها ورفضوا الذهاب إلى جنيف بذرائع واهية، «دَعَمهم» النظام فيها بالطبع، وتخفي وراءها مناكفة للغرب بسبب دعمه للأوكرانيين في دفاعهم أمام حرب بوتين عليهم.
لم تثبت خطوط التماس، ولم تتراجع المخاوف من إقدام النظام على عمليات عسكرية جديدة، تسفك مزيداً من الدم السوري، وتؤدي إلى حركات سكانية كبيرة تدفع بها بعيداً ضمن الحدود وخارجها. كما لم تختف التهديدات التركية باستمرار التقدّم العسكري وطرح مشاريع توطين لاجئين خارج مواطنهم الأصلية على الحدود، مع اقتراب موعد الانتخابات في العام المقبل وغموض التوقّعات حولها. كذلك يستمر الزحف الدبلوماسي باتّجاه دمشق، من قبل العرب والأتراك وغيرهم، ولو لم يجرِ اتّخاذ موقف صارم في اللحظة الأخيرة، لكان الأسد موجوداً في القمة العربية المقبلة في الجزائر. تتناهى وتتفسّخ هذه المرحلة من العملية السياسية وتنفتح على مجهول لن يكون لمصلحة السوريين حتماً في المدى المنظور.. هنالك تقسيم على الأرض، وشعب مشتّت جائع، ومعارضة مفقودة…وضباب يحجب الأفق لأعوام مقبلة!

القدس العربي ٢٨-٩-٢٠٢٢

الآراء الواردة بالمقال تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة أن تعبر عن رأي الموقع

Facebook Twitter Email

الكاتب mouwaten

mouwaten

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة