التدخل في سورية أصبح حتمياً ـ د. عبدالوهاب الأفندي

(1) كما فعلت إيران وحلفاؤها في المنطقة من قبل، فإن جبهة النصرة قربت إلى حد كبير خيار التدخل الدولي حين أعلنت بصراحة ولاءها للقاعدة وزعيمها أيمن الظواهري. ذلك أن الدول الغربية وكثيرا من دول المنطقة ظلت حتى الآن مكتفية بترك نار سورية تأكل نفسها، مطمئنة بأن شررها يمكن إحتواؤه داخل الحدود الجغرافية لسورية. ولكن هذا لم يعد ممكناً بعد سفور القاعدة بحيث أصبح الخيار في سورية، إذا تركت الأمور على حالها، بين إمارة إسلامية تتزعمها القاعدة، وجمهورية إسلامية يقودها حزب الله وأنصار إيران في المنطقة. وكلا الخيارين غير مقبول إقليمياً ودولياً.

(2)

ما يؤخر التدخل حتى الآن هو الخدمة العظمية التي يسديها النظام السوري لإسرائيل، حيث دمر الجيش السوري وحيد سلاح الطيران بتدمير معظم طائراته ومطاراته، وأهم من ذلك، تم تدمير طياريه أخلاقياً وقانونياً. فبعد ما أصبح الطيران الأداة الأولى لكل جرائم النظام، فإن كل من بقي من الطيارين في الخدمة أصبح حكماً مجرم حرب لا مكان له، إن نجا من القتل والإعدام، إلا السجن يقضي فيه بقية حياته. ولهذا وقف من بيدهم الأمر يتفرجون على هذه الإنجازات العظيمة لزعيم الممانعة الذي ناب عن إسرائيل في تدمير القدرة العسكرية لسورية، بعد أن خرب البلاد وشرد العباد. ويا لها من ممانعة هذه التي أخرجت سورية ليس فقط من المعادلة الإقليمية عسكرياً وسياسياً، بل ومن التاريخ حتى إشعار آخر.

(3)

ولكن خيار موقف المتفرج لم يعد ممكناً بعد اليوم، حيث أصبح من الصعب تجاهل مطالب قيادة المعارضة السورية بتزويد الجيش الحر بتسليح متطور يسمح باختصار أمد الصراع وحسمه بسرعة حفاظاً على سورية من التدمير الشامل، ولضمان عدم انهيار الجيش بالكامل كما حدث في العراق، مع ما سيخلفه ذلك من فراغ قد تكون له عواقب مدمرة.

(4)

الكل يعلم أن من شأن إنهاء الحرب بسرعة التقليل من معاناة السوريين التي لم تعد تحتمل، فضلاً عن التهديد الذي يمثله تدفق ملايين اللاجئين على استقرار الدول المجاورة، وفرص الاستقرار في سورية ما بعد الأسد. ولكن يبدو أن الحسابات المصلحية جعلت ما تفرضه الحكمة والمبادئ الإنسانية يتراجع لصالح اعتبارات أخرى وخيارات تقدم مصالح بعض الجهات والقوى الخارجية على الاعتبارات الإنسانية غير القابلة للمساومة.

(5)

إلا أن هذه الخيارات لم تعد متاحة في ضوء المعطيات الأخيرة. فما كان يهدد فقط حياة السوريين أصبح اليوم يهدد مصالح القوى الكبرى وأمنها. فأي أوهام بأن القوى الكبرى ستسمح للقاعدة بأن يكون لها موطئ قدم في منطقة استراتيجية وحساسة مثل سورية هي محض سوء تقدير. فإذا كانت القاعدة مرفوضة في صحراء مالي وجبال أفغانستان ومجاهل الصومال، فكيف سيسمح لها بدولة في قلب الشرق الأوسط وعلى حدود إسرائيل؟

(6)

أما الاعتقاد بأنه من الممكن أن يقبل بالأسد ونظامه بديلاً عن القاعدة فهو وهم آخر لامحل له من الإعراب. فإن نظاماً ارتكب ما ارتكبه هذا النظام من فظاعات لم يحدث مثلها إلا في المانيا النازية ورواندا وكمبوديا، قد انتحر مسبقاً ولم يعد له وجود إلا في سجل الجرائم التي تنتظر العقوبات. ولعل الطريف أن النظام أخذ يراوح في خطابه بين الاستعطاف والوعيد الذي هو استعطاف مبطن (ساعدونا ضد القاعدة وإلا ستندمون بعد سقوطنا)، ولم يعد لحديث الممانعة مكان في قاموسه. ولكن جزءاً من غفلة النظام إنه لا يدرك أنه فات نقطة اللاعودة منذ زمن بعيد، وأن التهديد بالقاعدة ممن يقتل كل شهر مثل قتلى برج التجارة العالمية هي من المضحكات المبكيات.

(7)

وحتى لو كانت القوى الدولية مستعدة للقبول ببقاء نظام الأسد باعتباره أهون الشرور، وهو احتمال بعيد جداً، فإن استناد النظام المفضوح إلى دعم إيراني مباشر وعبر حزب الله يجعل هذا الاحتمال في حكم المستحيل. فإذا كانت القاعدة مرفوضة في سورية فإن حزب الله يعتبر أكبر خطراً، لأن القاعدة تنظيم مارق لا توجد أي دولة تدعمه، بينما حزب الله مدعوم من إيران والآن من العراق الموالي لها. وإذا كانت القوى الكبرى ترفض حزب الله في لبنان، فكيف تقبل أن يتوسع إلى سورية ويضيف إلى قاعدته اللبنانية قاعدة أخرى؟

(8)

وإذا كان العراق غزي من قبل بحجة أنه يمتلك أسلحة دمار شامل قد تتسرب إلى القاعدة، رغم أنه لم يثبت وقتها وجود أسلحة دمار شامل في العراق كما لم تثبت علاقة نظام صدام بالقاعدة، فكيف يعقل أن يسمح بسقوط أسلحة سوريا الكيماوية المؤكدة الوجود في يد القاعدة أو إيران وحزب الله، وكلاهما موجود باعترافه في داخل سورية؟

(9)

حديث حزب الله في السابق عن انتصار مزعوم على إسرائيل لا يغير من واقع أن التوازن بين الطرفين، حتى لو لم يتدخل الغرب، مختل لصالح إسرائيل التي لا تجرؤ سورية حالياً ولا دول الجوار العربي مجتمعة على مواجهة ترسانتها. وإنما تتمثل الميزة النسبية لحزب الله في أنه يخفي أسلحته وجنوده ويتمترس بالمدنيين، بحيث لا تستطيع إسرائيل الإجهاز عليه إلا عبر إيقاع ضحايا مدنيين كثر على طريقة بشار الأسد، وهو خيار غير متاح لإسرائيل في لبنان، خاصة في ظل حكومة موالية للغرب كما كان الحال في حرب عام 2006. أما إذا نقل حزب الله عملياته إلى سورية فإن كل هذه الاعتبارات ستسقط، ومعها كل المحاذير التي منعت من استهدافه في السابق.

(10)

يمكن اختصاراً أن نقول إن الانتحار الأخلاقي والسياسي العسكري للنظام السوري قرب احتمال تدخل أجنبي واسع وحاسم نرى بوادره في وصول طلائع القوات الأمريكية إلى الأردن وقوات الأطلسي إلى تركيا. والمسألة الآن هي مسألة وقت قد لا يتجاوز أسابيع.

القدس العربي ـ  APRIL 18, 2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة