بانتظار مسك الختام ـ حسين شبكشي

حجم القلق والخوف والدم والضرر والأذى والتلف الحاصل في سوريا يبدو أنه يتناسب تماما مع حجم المشكلة، والثمن الذي تكبده الشعب السوري عبر سنوات من الظلم والفساد والطغيان والإجرام والخداع المفروض عليه من نظام مستبد حكمه بالحديد والنار لأكثر من أربعة عقود ظلامية ومظلمة، ولذلك ليس مستغربا أن تهرع إلى نجدة هذا النظام مجاميع في ظاهرها تبدو متناقضة بعضها مع بعض ولكنها كلها تجمع أن بقاء نظام الأسد يحقق لها بطرق مختلفة مصالح مهمة وحيوية. فروسيا تضمن عن طريق هذا النظام موضع قدم أخير لعتادها وسلاحها ومخابراتها وأهدافها الاستخباراتية، وإيران تعتبر النظام طفلها الرضيع الذي رعته طوال السنوات الماضية، وبرز هذا الولاء لها عندما أدار النظام ظهره تماما لشعارات العروبة ومبادئ العلمانية التي كان حزبه الحاكم البعثي يتغنى بها ليلا ونهارا ليؤيد حرب إيران على العراق وهي الدولة الدينية الطائفية بامتياز، بينما كان العراق وقتها بعثيا وطبعا دولة عربية. وها هو حسن نصر الله زعيم حزب الله وبشكل علني يعترف بدعمه المسلح والعسكري عتادا وجندا لصالح الدفاع عن نظام الأسد بإرسال أعداد كبيرة من ميليشياته إلى سوريا لقتال أهلها والدفاع عن نظام الأسد، وهو بذلك ينفذ أوامر الحكومة الإيرانية التي يعتبر مرشدها خامنئي مرجعه الأول باعترافه في مرات كثيرة ومختلفة، حتى إسرائيل التي تتمتع بحالة فريدة من نوعها من التعاون الصريح بينها وبين نظام الأسد بإبقاء حالة اللاحرب واللاسلم بينهما والذي أدى إلى حالة خاصة من الوضع الأشبه بالسلام البارد مع وجود مباحثات معلنة برعاية مباشرة مع الأميركيين بين إسرائيل وسوريا أدت إلى استحداث ما بات يعرف بوديعة رابين، وبعد وفاة رابين وحافظ الأسد استؤنفت مباحثات أخرى بين الطرفين مرات برعاية تركية في مباحثات سرية وأخرى معلنة غير مباشرة كانت كلها لأجل تكريس سلام بين الدولتين واعتراف كامل ولكن كانت هناك تفاصيل أدت إلى تأجيل الإعلان عن ذلك الأمر بشكل نهائي، ولذلك كانت الغارة الإسرائيلية الأخيرة على سوريا مثار استغراب ودهشة وذهول، إذ لا يوجد أي سبب ولا منطق لأجل أن تقوم إسرائيل بضرب نظام الأسد وهو الذي ضمن حدودا آمنة لها في منطقة الجولان بشكل مثير ولا يليق بدولتين في حالة حرب، ولكن من الممكن تفسير الأمور بشكل آخر بأن إسرائيل قالت مرارا إنها لن تسمح بسقوط أسلحة نظام الأسد في أيدي القوات المعارضة لأنها «لا تثق» في نواياهم ضدها.. بمعنى آخر أنها «تضمن» نوايا الأسد وتأمن جانبه تماما وتثق فيه بشكل كامل ولذلك كانت الغارة موجهة ضد شحنة سلاح تابعة للأسد خوفا من أن تسقط في أيدي المعارضة، وكان نتنياهو شديد الثقة في عدم رد الأسد ونظامه على الغارة وأن الأمر لن يكون سوى جعجعة وطحن إعلامي وضوضاء فارغة وهو الذي جعله يغادر بثقة واطمئنان ثاني يوم الغارة الإسرائيلية على نظام الأسد متوجها إلى زيارة للصين ومن بعدها إلى روسيا وهما الحليفان الرئيسان للأسد في صراعه ضد الثورة والثوار في بلاده واللذان لم يبديا أصلا أي اعتراض أو أي احتجاج ضد إسرائيل وضربتها ضد الأسد، وطبعا كانت أهداف زيارة نتنياهو لها هي شرح دوافعه وسبب توجيه الضربة الإسرائيلية الأخيرة.

التطرف والتكفير والإرهاب والميليشيات الأجنبية تزيد الأزمة السورية تعقيدا ودخول قوات مأجورة تكفيرية وإرهابية وطائفية مثل «جبهة النصرة» وحزب الله يزيد الوضع تعقيدا وسوءا، والموقف الروسي الأميركي الأخير يبدو أنه يسير بطريق حل انتقالي لحكم جديد في سوريا يبقي على مصالح روسيا ولكن مع زوال الأسد وزمرته، ويبقى الحكم على الثورة والثوار قائما لأن الشرفاء في سوريا كسروا حاجز الخوف بلا رجعة والنظام الذي تسلح بالعروبة والقومية والمقاومة والعلمانية سقطت أقنعته كلها وتعرى تماما ليكشف عن وجه قبيح مليء بالكذب والطائفية والطغيان والفساد.

سوريا هي معركة بين الحرية والاستعباد.. بين الحق والباطل.. بين الخير والشر. ودائما أبدا ومهما طال الأمد وطالت مدة المعركة نعرف من الذي ينتصر في النهاية. والكل ينتظر بشوق وأمل وصبر المشهد الختامي الذي آن أوانه لنهاية حكم طاغية ونظام مجرم.

14/5/2013 – الشرق الأوسط

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة