نصر الله سقط.. ماذا عن الآخرين؟! ـ مشاري الذايدي

لم أجد أسوأ من كلام حسن نصر الله، زعيم حزب الله اللبناني – الإيراني، في الدعوة لنقل الحرب بين الميليشيا التابعة له، وبين المعارضين لبشار الأسد، إلى أرض سوريا، وتحييد لبنان، إلا كلام المتحدث باسم الخارجية الإيرانية (عباس عراقجي) لدعوة الآخرين لعدم التدخل في سوريا.

نصر الله في خطابه الأخير بدا عاريا من كل أكاذيب المقاومة العربية والإسلامية و«النصر الإلهي». وخطاب: أشرف الناس وأنبل الناس… والمحاضرة على البقية في الاستقلال والنزاهة. كان مجرد مقاتل طائفي مريض، يصرخ بشعارات شيعية مجلوبة من أعماق التاريخ.

تبخرت أكاذيب السيد، التي خدر بها السذج، الذين ينسبون زورا إلى «النخبة» العربية الواعية غير الانفعالية، وها هم اليوم يندبون حظهم، ويلومون عقولهم كيف «انخدعت» بكذبة حزب الله والمقاومة، رغم أنهم – هم أنفسهم – من كانوا يشتمون ويخوّنون كل من كان يقف معارضا لخدعة حزب الله ومن معه من تجار القضية الفلسطينية، ويتحدثون ويحاضرون، وينظّرون عن «فكر المقاومة»، وهراء الممانعة، وتحت هذا الضجيج اللفظي ولج جنرال الظلام، قاسم سليماني، خفاش المرشد خامنئي، ومسؤول التجنيد الإيراني عنده، إلى غزة، ومصر، ولبنان، والبحرين، كما نجح خطاب الممانعين العرب في إقامة حفلة تشويه وهجاء منهجي، في الفضائيات، والمقالات، والمحاضرات، والندوات، طيلة العقد الماضي، لشتم كل مخالف لهذا المحور الوهمي، محور خامنئي، والأسد، ومعهما تابعهما حسن نصر الله، وحبيبهما خالد مشعل، ورفيقه رمضان شلح، وطبعا صديق إيران «المقاومة»، سابقا، مهدي عاكف في مصر، والجناح الإيراني الإخواني الكبير في العالم العربي.

لقد كان كل هؤلاء «النخبة» مضخة تضليل، ومنصة تشويه، لكل من يعارض هذا المحور الضال، وإذا تحدث أحد عن نيات إيرانية مخفية خلف ضجيج الشعارات الإسلامية، والممانعة، وأن حنجرة حسن نصر الله الصاخبة ليست إلا بوقا إيرانيا، إذا تحدث أحد بمثل هذا الكلام في السنوات العشر الماضية، وُصم بالعمالة والصهيونية، والقبض بالبترودولار، على أساس أن القبض بالمال الإيراني «النظيف» حلال زلال كشرب ماء المطر!

الآن، لا عزاء للمخدوعين، والسذج، من المنسوبين زورا إلى الوعي والنخبة، حصحص الحق، وأشرقت الشمس، ولكن للأسف على مشهد خراب ودمار وذبح يومي طائفي في سوريا، واختطاف كامل للدولة في لبنان تحت قبضة سلاح الميليشيا الإيرانية بقيادة حسن نصر الله، وتجنيد للدولة العراقية في هذا المخطط، تحت توجيه ابن حزب الدعوة، نوري المالكي.

المشكلة، كل المشكلة، أن هؤلاء السذج، المنسوبين زورا إلى النخبة العربية، والذين كانوا مطبلين ومزمرين للمحور الإيراني الإخواني طيلة الفترة الماضية، لن يتعظوا، ولن يعتبروا، وسينتجون نفس الأخطاء، وسيمدحون أصناما أخرى، عند اكتمال زوال الأكذوبة الحالية، ليدخلوا في أكذوبة أخرى، كما قال المتنبي ذات يوم:

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر

فزعت فيه بآمالي إلى الكذب

إنها نفس النخبة التي هتفت لجمال عبد الناصر، وصفقت لصدام حسين، ونوهت بإرهاب وديع حداد، ومجدت ميليشيا حسن نصر الله، بل وأشاد بعضها بأسامة بن لادن بوصفه بطلا قوميا ضد الإمبريالية!

شاعر عربي آخر، قديم، قال يشخص علة النخبة في وقته، والنخبة في وقته كانوا يسمون «القراء»، وهم من اتسموا بالنزاهة والعلم والتدين، ولذلك صاروا يلقبون بـ«ملح البلد»، ولكن كيف السبيل إلى الصلاح إذا كان الملح نفسه فاسدا؟ لذلك قال هذا الشاعر:

يا أيها القراء يا ملح البلد

من يصلح الملح إذا الملح فسد؟!

الحديث حول فساد النخبة العربية حديث موجع، ومحبط، ولكن لا بد منه.

الأمر الحاضر الآن، وكان فاتحة المقال، هو عند أكذوبة أخرى، من فقاقيع الدعاية الإيرانية التي ما فترت عن الظهور على سطح ماء الإعلام العربي.

فقبل أيام ظهر حسن نصر الله، محاولا تجميل القبيح، وتفصيح الكلام الفارسي، عبر الحديث عن أنه بزجه لقوات الحزب الإيراني في لبنان، حزب الله، إنما يحمي ظهر المقاومة (والمقاومة كلمة رديفة لشبكة إيران في المنطقة)، وأنه يقاوم الأميركان والصهاينة، ومن معهم (الإشارة طبعا إلى تركيا والسعودية ودول الخليج، خصوصا قطر)، وأضاف المعمم اللبناني نصر الله: «وأيضا التكفيريين».

هذا كذب. وكلام حافل بالمغالطة.

ليت أميركا تقف مع الثوار في سوريا، علتنا هي في تخاذل أوباما، وتفضيله للهروب الدبلوماسي، وهذا الدعم الأميركي لو حصل ليس عيبا يعيب به نصر الله الثوار، فحليفه نوري المالكي في العراق جاء على ظهر دبابة أميركية صريحة، وهو اليوم جزء من حلف نصر الله، الإلهي، ضد الآخرين!

أما الصهاينة فليسوا مع بشار، ولا مع الثوار، على الأقل هذا كلامهم، ومنطق حالهم يقول: فخّار يكسر بعضه بعضا. بل وربما، وهذا قالوه، فضلوا لو أن بشار استمر في الحكم كما هو سابقا، على اعتباره أهون الشرور.

أما دول الخليج وتحديدا قطر، فقد كانت لا تقطع حبل الود مع حسن نصر الله ومرشده خامنئي، قبل أن تعلن صراحة سعيها لانتصار الثوار في سوريا ضد بشار، وكانت صور أمير قطر تزين الضاحية والجنوب اللبناني، بوصفه من أمراء المقاومة، ولكن حين اعلنت قطر اختلافها مع هذا المحور الإيراني «الطائفي» الداعم لبشار، صارت قطر شريرة فقط عند هذه اللحظة، وغضب حسن نصر الله من وزير خارجيتها ورئيس وزرائها، في وقت سابق، تعليقا على كلام له حول الخذلان العربي للثورة السورية.

الأمر مكشوف، وحسن نصر الله مهما أوتي من البلاغة اللفظية، والصراخ، والهتافات، واستدعاء صورة الحسين، وتذكرة كربلاء، لن يخرج عن كونه جنديا طائفيا، يهلك الحرث والنسل، ويقامر بمستقبل كل شيعي في هذه المنطقة، في لعبة خطيرة. أعجب من عدم انتفاضة الشيعة العرب عليه! حسن نصر الله، ليس إلا مقاتلا يتلقى «التكليف الشرعي» من ولي أمره، المرشد خامنئي، وهو قال صراحة في خطابه الأخير إن لديه تكليفا شرعيا، ولدى خصومه كذلك، فلنطبق تكاليفنا الشرعية في سوريا، ترجمة هذا الكلام هي: لنقتل ونهدم ونقصف ونذبح، الناس في سوريا، ناسكم، وناسنا، وندع لبنان، لأن التكليف الشرعي لم يأتِ بعد!

حسن نصر الله يناور بالكلام، مثل زميله في دولة الولي الفقيه، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس عراقجي الذي وعظ فرنسا مؤخرا حول سوريا بالقول: «فرنسا تسعى إلى التستر على تدخلها في الشؤون السورية الذي أدى إلى خسائر بشرية ومالية».

وجاءت تصريحات المسؤول الإيراني بعدما جدد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس اتهام إيران بعرقلة الحل السياسي للأزمة السورية، ومشاركة قواتها في النزاع الدائر.

سقطت الأقنعة، وانكشفت الأجندة المخفية، وليس المهم أن تتعرى إيران وكل أعضاء شبكتها في المنطقة، على أهمية هذا الأمر، لكن المهم وضع اليد على موضع الداء العربي، وموضع الداء هو فيمن يفترض به أن يصنع الدواء: النخبة العربية!

طبيب يداوي الناس وهو عليل…

28/5/2013 – الشرق الأوسط

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة