سوريا.. سيناريو الرعب ـ حسين شبكشي

هل هناك من وسيلة عقلانية لقراءة ما يحدث على الساحة السورية لفهم ما يحدث والنظر بروية وهدوء إلى الصورة الكبيرة وتحليل المشهد الدموي البائس؟ طبيعي أن يكون هناك العديد من السيناريوهات المطروحة كشرح لما يحصل، ولكن أحد التحاليل التي استوقفتني كان كالتالي، وهو جدير بالتدبر والتأمل بعمق: الثورة السورية على نظام بشار الأسد دخلت مرحلة بالغة الأهمية والخطورة؛ لأنها لم تعد توصف بالمعنى القديم، ثورة ضد نظام مجرم أو صراع مناطقي وإقليمي، ولكن بدخول ميليشيات حزب الله الإرهابية على الخط أصبحت المواجهة ذات طابع طائفي بامتياز بلا شك، بعد إعلان هذا الفصيل المتشنج علانية (علما بأنه حزب رسمي يترأس حكومة في دولة مجاورة) عن دعمه لنظام الأسد حتى النهاية.

يبدو أن الولايات المتحدة لديها رغبة جادة جدا في القضاء على كافة التنظيمات المتطرفة المتعلقة بحقبة الحرب الباردة، وهي تنظيمات كانت تدار بالأساس من قبل الاستخبارات السورية وأجهزتها التابعة لها. نظام بشار الأسد الحاكم في سوريا من الناحية الفعلية انتهى، فلقد تم تفكيك أدواته بإنهاكه التام على الأرض، وشرخ جيشه وأجهزة أمنه وفقده لشرعية السيطرة على أراضي البلاد الواسعة، وفوق ذلك جرى «السماح» بدخول منظم للعديد من التنظيمات الصغيرة من المجاميع المتطرفة إلى الساحة السورية تحت إغراء «الجهاد الكبير» هناك، بمن فيهم حزب الله نفسه، وقد لعب الجيش الحر كذلك دورا في استدراج كل هؤلاء كغطاء شرعي ملائم ومناسب، وطبعا كان من الضروري أن يستمر بشار الأسد حاكما ويبقى في منصبه طوال هذه الفترة الدموية لكي تزيد حماسة الراغبين في الجهاد بسوريا، سواء للقتال ضده والخلاص منه أو القدوم للدفاع عنه، وطبعا لولا رغبة أميركا الحقيقية ودعم روسيا وإيران له وعدم ممانعة إسرائيل المعلنة لما بقي في حكمه لليوم، ولما استطاع الصمود.

أما المعارضة السورية التي من الناحية النظرية والمعنوية كان من المفترض أن تكون العنصر الأهم والحلقة الأقوى في هذا الصراع الدموي الرهيب، فوضعت في موقف مخيف وصعب، وتحولت رغما عنها إلى الحلقة الأضعف؛ ليتحقق التصور المطروح بوضعه البائس حاليا.

ولذلك فإن فرضية أن سوريا وحكم الأسد هي المغناطيس الجاذب لكل شرور الجماعات المتطرفة التي ترغب أميركا في الخلاص منها من كل المنطقة، سواء من الجزيرة العربية أو العراق أو أفريقيا أو أفغانستان أو لبنان أو الأردن، ومن ثم تحقق أميركا فكرة التخلص الكامل من هذه الجماعات على الأرض السورية بمساعدة غير مباشرة من نظام بشار الأسد، وحزب الله بدخوله سوريا بالشكل الهمجي؛ دخل في عملية انتحارية له تماما والإجهاز على كل ما تبقى له من مصداقية أو إنجاز أو جدارة في الذهنية الشعبية في العالم العربي والإسلامي، ويجري إنهاكه والقضاء عليه على الأرض السورية التي صنعته وأوجدته، وهو بكل سذاجة بلع الطعم الذي وضع له لاستدراجه والقضاء عليه بسبب رعونة الحزب ونرجسية حسن نصر الله، كما أن قراره المتسرع سيجر لبنان بأكمله لمستنقع سوريا الذي سيشهد اقتتالا طائفيا مذهبيا معلنا وواضحا، وهناك يتحقق سيناريو القضاء عليه عسكريا، ليس عبر ضربات توجه من الغرب أو إسرائيل، ولكن أن يقضي على نفسه في الداخل السوري مقر ولادته. وطبعا نظريا إذا لم تحسم الثورة السورية فمن المرشح أن تلتهب خارج الحدود لتصل إلى لبنان والعراق وتركيا، ثم الداخل الروسي نفسه، فالثورة السورية بتدخل حزب الله مدعوما بروسيا فتح الجبهات وأزال حدود التماس بشكل خطير.

مع كل أزمة اقتصادية عالمية كبرى تقوم «حرب» أو «حروب» مصغرة ليستفيد منها الكبار، هكذا تعلمنا دوما عجلة التاريخ.

سيناريو مرعب لما يحدث في سوريا، ولكن يستحق التأمل والتدبر بعمق.

8 يونيو 2013 اجريدة الشرق الاوسط

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة