ارتباك سوري حيال الاحتجاجات التركية ـ وائل السواح

كتب أحد الناشطين السوريين على الفايسبوك: «ذهب السوريون إلى ساحات الصدام في تركيا ليستنشقوا الغازات المسيلة للدموع، فقد سمعوا بها في بلادهم ولكنهم لم يجربوها». الناشط كان يشير إلى أن نظام الرئيس السوري بشار الأسد واجه المحتجين السلميين في بداية الانتفاضة السورية بالرصاص الحي، ولم يستخدم الغازات المسيلة للدموع أو خراطيم المياه في تفريقهم. وهو أيضاً يريد أن يقارن بين الطريقة الوحشية للنظام السوري في مواجهة المحتجين وطريقة رئيس الوزراء التركي أردوغان التي يلمّح بأنها طريقة ناعمة لم تؤد إلى الكثير من الخسائر البشرية.

ليست المقارنة سليمة. بالتأكيد إن قتل عشرات الأشخاص في الأيام الأولى للثورة السورية هو أفدح وأكثر همجية وبربرية من مقتل متظاهرين ثلاثة في تركيا. ولكن من حيث المبدأ، كلا النظامين واجه متظاهريه بعنف غير مبرر، لا سياسياً ولا أخلاقياً ولا إنسانياً.

بدأت الاحتجاجات السورية من مدينة درعا بعد أن عذَّب رجل أمن مريض أطفالاً صغاراً وأهان آباءهم وأمهاتهم، وبدلاً من أن يعاقبه النظام ويعتذر إلى الضحايا وعائلاتهم، دعم الرجل المريض واعتبر المحتجين متطرفين دينيين لديهم أجندة طائفية.

أما في تركيا فبدأت الاحتجاجات التركية من حديقة «جيزي بارك» في ساحة تقسيم الشهيرة دفاعاً عن سياسة حمقاء يمكن أن نشتمّ من ورائها راحة فساد، كانت وراء قلع أشجار في واحدة من أعرق ساحات المعمورة لتغيِّر معالم الساحة التاريخية وتهيئ لبناء سوق تجارية مكان الحديقة العامة. خسائر الأتراك في الأسبوع الأول ثلاثة قتلى. خسائر السوريين في الأسبوع الأول كانت نحو مئة قتيل. نائب رئيس الوزراء التركي اعتذر لمقتل شاب في التظاهرات، وأكد أن «حكومتنا تحترم أنماط الحياة المختلفة وتقيم لها اعتباراً». وفي الوقت نفسه، سارع الرئيس التركي إلى طلب لقاء رؤساء الأحزاب المعارضة للتباحث معهم في حلول لتفاقم الأزمة. في المقابل، ألقى الرئيس السوري خطاباً غطى عليه الضحك والسخرية من السوريين ومطالبهم، وأعطى الضوء لمزيد من القتل والتعذيب.

من جانب، المقارنة إذاً غير واقعية بين نظام قتل من شعبه ما معدله ألف ومئة مواطن في الأسبوع، ونظام أدت الاشتباكات في ظله إلى مصرع ثلاثة مواطنين في أسبوع. ولكن المقارنة تغدو مرفوضة أكثر إذا ما كان الهدف منها تبرئة النظام التركي من الاستخدام المبالغ فيه للعنف، بحجة أن عنفه لا يقارن بعنف جاره الجنوبي. المقارنة هنا لا تجوز. ففي البلاد الديموقراطية التي تدعي تركيا أنها واحدة منها، يعتبر الحق في التظاهر حقاً أساسياً للمواطنين، ولا يمكن السلطات مواجتهه بالعنف. أضف إلى ذلك أن حكومة أردوغان هي التي تسببت في التظاهرات من خلال قراراتها التي ستغير وجه مدينة من أعرق مدن العالم من أجل مصالح تجارية ضيقة. وهي أيضاً اتخذت خطوات إجرائية تحد من الحريات الأساسية للمواطنين، بما يعتبر مخالفة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللدستور التركي نفسه. وهي تعمل فوق هذا وكله على تغيير الدستور نفسه ليمنح صلاحيات أكبر لشخص أردوغان، مذكرةً إيانا بمحاولات حكومة الإخوان المسلمين في مصر تفصيل دستور على مقاس الرئيس محمد مرسي والإخوان المسلمين.

الأحداث التركية كانت مناسبة للسوريين للانقسام من جديد. فالنظام السوري فشل في إبداء سعادته الغامرة للتظاهرات، وأكد «وقوف سورية مع الشعب التركي». واتهم وزير الإعلام السوري عمران الزعبي رئيس الوزراء التركي بقيادة بلاده بـ «أسلوب ارهابي». واستعار اللغة التي استخدمت لإدانة الرئيس الأسد وتوصيفه من أجل رد الصاع للزعيم التركي، فقال إن «قمع رجب طيب أردوغان التظاهرات السلمية أمر غير واقعي ويكشف انفصاله عن الواقع»، وطالب أردوغان بالتنحي واللجوء إلى «الدوحة التي قد تستضيفه». ونصحت وزارة الخارجية السورية بأسلوب كاريكاتوري المواطنين السوريين بعدم السفر الى تركيا خلال هذه الفترة «حفاظاً على سلامتهم وأمنهم… والعنف الذي مارسته حكومة اردوغان بحق المتظاهرين السلميين من أبناء الشعب التركي»، بينما كتبت صحيفة «الوطن» الموالية للرئيس الأسد أن «السحر انقلب على الساحر. فبعد عشرات التصريحات التي لم تخرج عن حد التنظير لانتقاد سورية، أطلق رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان العنان لقواته باستخدام الهمجية والقوة المفرطة ضد آلاف المتظاهرين السلميين في عشرات المدن التركية لتوقع مئات الجرحى والمعتقلين بين صفوفهم».

في المقابل، أبدى الناشطون السوريون المعارضون للنظام قلقهم من التطورات التركية، لأن ذلك قد يتسبب في إضعاف موقفهم، فالنظام التركي في نهاية النهار مساند لقضيتهم، وأي إضعاف له في المرحلة الراهنة يشكل إضعافاً لهم. وقالت مواقع إخبارية معارضة إن شبيحة سوريين يشاركون في تظاهرات المحتجين، مذكرة بأن هذه التظاهرات هي «للمطالبة ببيع الكحول»! وأن جُلّ المشاركين في التظاهرات هم «من أتباع حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في البلاد، المعروف عنه توجهاته العلمانية، ومناصرته للنظام السوري».

وغصت مواقع التواصل الاجتماعي بمواقف تصب في النهاية في طاحونة أردوغان، سواء أعلن الناشطون هذا الموقف صراحة أم داروه. واعتمدت غالبية المعلقين السخرية كأسلوب في تأييد أردوغان، مركزة أساساً على استخدام خراطيم المياه. وقارنت ناشطة بين «الرش بالمياه في عزِّ الصيف والرش بصواريخ سكود في عزِّ الشتاء». وفي هذه الأثناء غاب صوت المعارضة السورية تماماً عن ذكر ما يجري في تركيا. وعلى رغم أن ثلاثة أرباع المعارضة السورية تقيم على الأراضي التركية، فقد آثرت الصمت على ما يجري.

لا أحد يرغب اليوم أن يكون في موقع المعارضة السورية. فقد خسرت للتو معركة مهمة جداً في القصير أمام قوات النظام و «حزب الله»، أمام صمت مريب من المجتمع الدولي وأصدقاء سورية؛ والعالم بدأ يحول أنظاره عما يجري في سورية؛ والقادة الغربيون أنفسهم الذين أعلنوا سقوط شرعية الأسد وطالبوه بالتنحي يبحثون اليوم عن سبل للتواصل معه؛ والدول الإقليمية المساندة للمعارضة منقسمة على بعضها بعضاً، وينعكس انقسامها انقساماً آخر في صفوف المعارضة التي لم تجد حتى اللحظة وسيلة لتوحيد الداخل مع الخارج، والمعتدلين مع الراديكاليين، والمدنيين مع العسكريين. وتأتي التطورات التركية لتترك المعارضة السورية في حَرَج أخلاقي، فهي إن دعمت الحراك التركي كما ينبغي للمعارضة أن تفعل، خسرت سياسياً وعسكرياً، وإن دعمت النظام في مواجهة مطالب المحتجين المشروعة، خسرت أخلاقياً. ولا يبدو أن ثمة مخرجاً، ما لم يثبت أردوغان أنه مختلف عن الحكام العرب الذين طالما انتقدهم، فيبادر إلى تفهم المطالب المشروعة للمحتجين وتلبيتها، فيعطي بذلك مثالاً حسناً يمكن المحتجين السوريين أن يشيروا إليه بالبنان.

11/6/2013 – الحياة

 

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة