خطر فشل المرحلة الانتقالية – افتتاحية موقع تيار مواطنة
![]()
شكّلت لحظة هروب الأسد وانهيار سلطته ووصول قادة هيئة تحرير الشام إلى دمشق، لحظة تحول دراماتيكية في المنطقة، وبصرف النظر عن استعراض العوامل الداخلية الأساسية والعوامل الخارجية الحاسمة التي أدت لتحقق تلك اللحظة، يمكن القول إن الحكم الحالي امتلك، منذ بلوغه السلطة، عوامل قوة هائلة داخلية وخارجية، فالمظلوميات المتراكمة العديدة داخلياً طوال أكثر من سبعة عقود، جعلت أغلبية الشعب السوري تعقد آمالاً مباشرةً على هذه السلطة لنيل حقوقها المستلبة، وربما التعويل على توفر فرصة الشروع بتشكيل نظام حكم طبيعي غير استثنائي، بعد أن وصل النظام السابق في درجة انحطاطه المادي والمعنوي إلى أسفل درك ممكن.
ولعل عوامل القوة الأهم هي تلك الخارجية، فتركيا وهي الراعي الأساسي للحظة التحول هذه، وجدت في نجاحها في الضغط على داعمي الأسد والتخلي عنه بعد تقلص قدراتهم الداعمة، وفي حصولها على حليف ضعيف، فرصة لتعزيز نفوذها نوعياً على حدودها الجنوبية بطريقة تقرب من فرض وصاية على مقدرات بلد استراتيجي في المنطقة، مما يدفعها لدعم الحكام الجدد بالقدر الذي يمكّنها من ابتلاع هذا القدر من المكاسب، بما فيها استمرار وجودها العسكري وسيطرتها الإدارية والاقتصادية على قسم من الشمال السوري. أما دول الخليج العربية، فلقد شكل خسارة إيران لحليف مهم لها في المنطقة مكسباً لا يقدر بثمن، وفتح أفقاً جديدة لتعزيز نفوذ كل دولة منها في هذا البلد، بعد التخلص نهائياً من طرف مزعج ومتعب لها على مدى عقود. ودفع كل ذلك دول الخليج وبدرجات متفاوتة لتقديم الدعم الكافي لتوفير الشروط الدنيا لتشكيل سلطة جديدة بلا أسنان، يجب أن تمر بمرحلة اختبار طويلة ومعقدة قبل أن تفك هذه الدول صررها بثقة تضمن لها أن هذا الدعم سيأتـي أُكله على النحو الأمثل، أي أن تتشكل سلطة دولة لديها حد مقبول من الارتباط بتركيا وليس تابعةً لها، إلى درجة لا تستطع فيها اتخاذ قرار مستقل ربما لا يتطابق تماماً مع المصالح التركية.
وشكلت السلطة الجديدة، موضوعاً شيقاً لمتابعي آخر أخبار ترامب وطرق التعبير عن دعمه لها، ودلالات وصفه للشرع بأنه (Tough Guy) “قبضاي” قادر على السيطرة على سوريا، ولا مانع من تبادل المزاح علناً بعد تبادل الهدايا، والأهم من ذلك استجابته بحماس لطلبات إنهاء العقوبات متعددة الطبقات المفروضة على سوريا. لقد شكل هذا الدعم صمام أمان للسلطة الحالية في تلطيف صلافة نتنياهو وقادة الجيش الإسرائيلي، في استعراضهم القوة على كامل الجغرافيا السورية عبر شن غارات متفاوتة الشدة منذ اللحظة الأولى لإعلان السلطة الجديدة عن نفسها، وفي تمدد السيطرة العسكرية على الجنوب السوري بذرائع مختلفة. ولعل السبب الأساسي لدعم ترامب يتعلق بثقته بكسب حليف جديد ضد إيران وأذرعها وضد تنظيم الدولة وأشباهه، وعلى هذا الحليف إثبات جدارته بهذه الثقة، مع ضمان تحقيق مكاسب اقتصادية متعلقة بالنفط وخامات أخرى.
وبدأ الدعم الأوروبي على المنوال نفسه يعبر عن نفسه بأشكال عديدة، خصوصاً مع وجود مشكلة اللاجئين السوريين المتركز معظمهم في ألمانيا، مع رغبة الاتحاد الأوروبي في تعزيز استقرار بلد متاخم لحدوده الجنوبية، بهدف تخفيف العبء الاقتصادي الناجم عن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية. ولعل من المفارقات أن يعبر المسؤولون الروس عن موقف يتطابق مع الموقف الأوروبي حيث يرون أن السلطات السورية تتبع عموماً نهجاً متوازناً، وأن الأفكار المتشددة التي حملها بعض الذين دخلوا دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2024 لم تصبح مهيمنة على الحياة السياسية، وهو ما يمثل مؤشراً إيجابياً، ويرون بأن السلطات تسعى إلى تحقيق الاستقرار في سوريا، وقد نجحت في ذلك إلى حدّ كبير. ورغم أن البلاد لا تزال تواجه مشكلات كثيرة، فإن السلطات الحالية تعمل على تعزيز الدولة الوطنية السورية، وتحسين ظروف حياة السكان، والمساعدة في عودة اللاجئين من الخارج، لكنهم يؤكدون على ضرورة الحرص على مراعاة طبيعة البلاد المتعددة القوميات والأديان، ومراعاة مصالح الأطراف المختلفة، مع إشارتهم إلى وقوع بعض التجاوزات من حين إلى آخر.
هل حافظت السلطة على امتلاكها لعوامل القوة الداخلية والخارجية المشار إليها أعلاه؟ الجواب هو أن عوامل القوة بدأت بالتآكل والتراجع لأسباب عديدة. ويكمن السبب الأساسي في أن السلطة لا تتبع ديناميكية أسس عملية الانتقال، بل إن أحد مسؤوليها عبَّر مثلاً في مقطع مصور لتجمع شعبي منظم في جوبر، عن أن أحد مواطني المجتمع المحلي، يصف الرئيس الشرع “بالرئيس الانتقالي” متهماً هذه المواطن بمشاركته “الهجري والعدو الصهيوني” فقط في هذا التقزيم للرئيس. وإذا افترضنا أن هذا المسؤول ارتكب حماقة غير مقصودة بهذا التصريح الفج، إلا أنه يعبر في الحقيقة عن عقلية السلطة الراهنة في سوريا، التي تعتبر أنها حررت الشعب السوري ممن اختطفه، لذلك أضحت صاحبة الحق الشرعي بالتحكم بمصيره واتخاذ القرارات باسمه، وتطالب الشعب السوري بالصبر لتخطي مرحلة التمكين بنجاح. في حين أن المشاكل المتراكمة على مدى عقود، إضافةً إلى طريقة السلطة في حل المشاكل الاقتصادية بأسلوب يتناقض مع مصالح عامة الشعب، وخصوصاً تلك المتعلقة بارتفاع تكاليف المعيشة ومشاريع السكن، ستخلق شروخاً لا يمكن إصلاحها بين هذه السلطة وبين عامة الشعب بما يشمل قاعدتها الشعبية، مما يضعف قدرتها على الإمساك بزمام الحكم، خصوصاً مع عدم تشكل أجهزة سيطرة مركزية متماسكة وهرمية وذات صبغة مؤسساتية حتى الآن. وفي الحقيقة، لا يمكن للسلطة تجاوز هذا المأزق، إلا في الاعتراف به، ثم الشروع ببناء عملية سياسية تسمح بتمثيل تعددي حقيقي، على أساس الكفاءة والشرعية والمساءلة، مع إتاحة المشاركة للمجتمع المدني والنقابات والهيئات المحلية والقوى السياسية والمجموعات الاجتماعية المختلفة، وإلا فقد تصبح المرحلة الانتقالية التي أقرها |لإعلان الدستوري، في حال نجاحها، مرحلة انتقال من حكم الاستبداد الأسدي، إلى صيغة أخرى من أشكال الاستبداد.
والحقيقة إن الفاعلين الخارجيين على تنوع مصالحهم وربما تضاربها، لم يعيدوا التأكيد الآن بمواقف صريحة على رفضهم لمسار السلطة الحالي الذي يعاكس روحية قرار 2254، الذي يؤكد على ضرورة تشكيل هيئة حكم انتقالي تضم جميع الأطراف المشكلة للمجتمع السوري. حيث أن الأولوية في مواقف الأطراف الخارجية التي لها مصالح مشتركة مع السلطة الحالية، تُعطى الآن لفرض الأمن والاستقرار ومواجهة الاتجاهات المتطرفة الظاهرة والكامنة في المشهد السوري. بالإضافة إلى أن عدم وجود تضارب مصالح حاد بين الفاعلين الخارجين حتى الآن، وضعف التعبيرات الداخلية المتمايزة عن السلطة والتي تحظى بشرعية شعبية، لا يدفع حتى الآن للتأكيد على ضرورة اتباع نهج تشاركي، ليكون بمثابة حل تسووي بين الأطراف المتصارعة الداخلية والخارجية. لكن ثمة مؤشرات مثلاً على تحرك جديد في الكونغرس الأمريكي لتقديم مشروع بعنوان «قانون حماية الأقليات الدينية والإثنية السورية» مقدم من أوساط الحزب الجمهوري المؤيد لترامب، وهو يدل على درجة من عدم الرضا على طريقة إدارة الحكم وخصوصاً في العلاقة مع الأقليات، ويلتقي ذلك مع الإرادة الإسرائيلية في كسب نفوذ لها في سوريا عبر طرح هذه القضية وتبنّيها.
وتضعف عوامل القوة أيضاً مع تواتر مظاهر الفشل الإداري والأمني والاقتصادي للحكومة الحالية، فمن الواضح لكل ذي عينين ضعف كفاءة المسؤولين الذين شكلوا مادة خصبة لانتعاش روح السخرية المرة عند أفراد الشعب إثر تصرف أو مشهد لهذا المسؤول أو ذاك. فمازال متبعاً حتى الآن في تولي المناصب الاستناد إلى معايير المحسوبية والولاء، وإن إقالة مسؤول معين بعد حالات فساد فاضحة مثل مسألة البنزين الفاسد وطريقة تبريرها الركيكة المؤكدة على صحة تفشي عدم الكفاءة على الأقل، ليس حلاً للمشكلة، بل يكمن الحل في تفعيل الشفافية في إدارة المؤسسات، وإعطاء دور لمجلس الشعب في مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم. والحقيقة أن سوريا تسجل أدنى المستويات العالمية في مؤشرات الحوكمة الرشيدة، وفقاً لتقرير البنك الدولي: (مكافحة الفساد، سيادة القانون، جودة الأنظمة والسياسات، الفعالية الحكومية، وحرية التعبير والمساءلة). وإذا كان هذا الوضع حصيلة إرث ثقيل من الفساد والفشل الحكومي السابق، فإن ما تتبعه الحكومة الحالية من سياسات دون وجود رؤية أو خطة واضحة للانتقال بالبلد نحو التعافي، لا يغير كثيراً في درجة سوء الوضع إن لم يكن قد أصبح أسوأ في بعض المجالات، لأن الافتقار إلى خطة منهجية واضحة، وإدارة البلاد على أرضية فهم ساذج لنظام الاقتصاد الحر، دون وجود هيكلية حوكمة إدارية شفافة، تستند إلى أرضية قانونية شاملة، سيدفع إلى طرح الأصول السيادية بأثمان بخسة في سوق الاستثمار المنفلت. وكل ذلك على حساب المواطنين.
ويضعف عامل القوة هذا أيضاً بتأثير الوضع الأمني وعجز الحكومة عن حل مسألة السلاح المنفلت، الذي يشكل دلالة مهمة على ضعفها البنيوي، حيث تتشكل الأجهزة الأمنية من لون واحد وعلى أسس إسلامية فوق وطنية، مما يجعلها موضوعياً ذات معايير مختلفة في مواقفها وقراراتها، فتجمع سلمي بسيط مثلاً مؤلف من عدد أفراد محدود ذوي مطالب معينة، يُواجَه بصد حازم، بحجة عدم ترخيص تحركهم، بينما يرفع آخرون شعاراتهم وفتاويهم المتطرفة دون أن يردعهم أو يمنعهم أحد بحجة حرية التعبير السلمي. هذا إذا لم نتطرق لعمليات الاغتيال الفردية والجماعية مع عجز السلطة عن ملاحقة مرتكبيها ومحاسبتهم علناً.
وينعكس الأداء الاقتصادي بحدة على تراجع عوامل القوة داخلياً وخارجياً، فوجود مؤسسة مثل الصندوق السيادي، لا تخضع مباشرة للمعايير النظامية لمؤسسات كهذه، كأن تكون شفافة في حساباتها وموارها وهيكليتها التنظيمية، حيث يعرف الجميع أن إبراهيم سكرية (أبو مريم الأسترالي): يشغل منصب المدير العام التنفيذي للصندوق والمسؤول عن إدارة أصوله، وهو ملاحق قانونياً حتى الآن في بلده، ولا نعرف إن كان إزاحة مازن صالحاني وزير السياحة عن رئاسة مجلس إدارة الصندوق وتعيين عمر حلبي، قد طال أيضاً موقع أبو مريم. ونحن كذلك لا نعرف عن موارده ومصادره سوى من بعض التصريحات، مثل تصريح الشرع من أنه استولى على ما نسبته 80% من أموال حمشو، وأن موارد الصندوق هي من الأموال المصادرة من رجال أعمال الأسد. نقول، إن وجود هكذا مؤسسات، إضافةً إلى عدم وجود قوانين تحمي الاستثمارات وتؤمن لها شروط عمل قانونية وواضحة وميسرة، يجعل من السوق السوري بيئة غير جاذبة سوى للاستثمارات المرتبطة بالفساد، وتخدم مصالح أطراف معينة في السلطة أو شركائهم المباشرين. إن غياب الضمانات المؤسسية يزيد مخاطر المحاباة والاستحواذ على الموارد العامة، ويضعف فرص نشوء استثمارات تنافسية ومنتجة.
يمكننا على ضوء ذلك القول إن استمرار السلطة في نهجها الحالي سيجعل عوامل قوتها تتآكل بالتدريج وتتراجع فعاليتها، رغم محاولة الشرع خلق دور وظيفي له في المنطقة سواءٌ في العلاقة مع السعودية أو حتى الإمارات، في محاولة لخلق مصلحة للآخرين في دعمه، دون خوض مغامرة غير محسوبة في فتح جبهات مباشرة في لبنان أو العراق.
يجب علينا القول أخيراً، إن ضمان نجاح عملية الخلاص من الاستبداد، والانتقال إلى نظام حكم تنموي حديث يقتضي الإقرار بضرورة أن يكون هذا الحكم المأمول ديمقراطياً يضمن شمول جميع الفئات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في عملية بنائه، ويستند إلى مبدأ تداول السلطة بين تعبيرات المجتمع المتعددة والمختلفة، وعلى إقامة مؤسسات دولة تضمن استقلالية السلطات والفصل بينها، سواءٌ التنفيذية أم التشريعية أم القضائية. وإن تركيز الصلاحيات الحالي، واحتكار القوة، والتحكم الفئوي في الموارد، وإقصاء المنافسين، وغياب الرقابة التشريعية والقضائية، هي على الأرجح ستعبد الطريق نحو الفشل.
وينبغي أن يبدأ الحل بالدعوة إلى عقد مؤتمر وطني عام وشامل يشارك فيه جميع فئات الشعب بكل ألوانه وانتماءاته، تخرج عنه برنامج وخطة متكاملة تفصيلية، ومحددة زمنياً بمدة كافية لتحقيق الانتقال المنشود، وفق المبادئ العامة التالية:
- إنجاز عقد اجتماعي ودستور موحد: يضمن المواطنة المتساوية وسيادة القانون لجميع السوريين دون تمييز.
- . وضع ضمانات مؤسسية تمنع تركيز السلطة وتضمن التداول السلمي عليها، بما يشمل استقلال القضاء، والرقابة على الإنفاق العام، وحرية الإعلام، وحق التنظيم السياسي، وآليات واضحة لمساءلة المسؤولين.
- استعادة السيادة الوطنية والقرار المستقل الناجز، عبر إنهاء وجود الجيوش الأجنبية الروسية والتركية، وفك ارتهان الفاعلين المحليين للخارج.
- التنمية والبحث التشاركي الميداني، عبر توجيه الجهود من الإغاثة المؤقتة، أو المشاريع “المخملية” إلى التمكين الاقتصادي والمحلي القائم على احتياجات الأهالي.
- العدالة الانتقالية والمحاسبة، عبر الشروع في مصالحة مجتمعية حقيقية تُحاسب المرتكبين وتمنع ثقافة الانتقام.
فريق مواطنة الاعلامي – ١٨-١٠-٢٠٢٦
![]()
اترك رداً