السويداء: حين يتحول الجرح السوري إلى بوابة للنفوذ الخارجي- رأي وسيم حسان

مقالات 0 admin

لم تكن مجازر وأحداث السويداء في تموز/يوليو 2025 مجرد انفجار أمني عابر في جنوب سوريا، بل كشفت عمق الأزمة التي تواجه “الدولة السورية الجديدة”: أزمة الثقة، وضعف مؤسسات الدولة، وتعدد القوى المسلحة، وتداخل العامل الداخلي مع التدخلات الإقليمية.

بدأت المواجهات بين مجموعات محلية، ثم تدخلت قوات تابعة للسلطات الانتقالية، وسط انتهاكات خطيرة بحق المدنيين واتهامات متبادلة بين الأطراف. وقد وثقت جهات أممية تقارير عن عمليات قتل واختطاف وإعدامات ميدانية وتدمير ونهب للممتلكات. وفي خضم هذه الأحداث، تدخلت إسرائيل عسكرياً، معلنة أن حماية الدروز كانت أحد مبررات تدخلها، وشنت غارات في جنوب سوريا ووصلت الضربات إلى مواقع في دمشق.

عند هذه النقطة، تجاوزت القضية حدود النزاع المحلي. فعندما تتدخل دولة خارجية عسكرياً داخل دولة أخرى، وتقدم حماية إحدى مكوناتها بوصفها مبرراً لذلك، تصبح المسألة مرتبطة مباشرة بالسيادة السورية وبقدرة الدولة على حماية مواطنيها.

لكن من الضروري الفصل بين الوقائع الموثقة وبين الروايات السياسية والتفسيرات. لا تتوفر، في الأدلة العلنية التي يمكن الاستناد إليها، معلومات موثوقة تثبت أن هاكان فيدان طلب من أحمد الشرع أو نصحه بارتكاب مجزرة ضد الدروز بهدف استدعاء التدخل الإسرائيلي. بل إن الموقف التركي المعلن خلال الأزمة أكد رفض تقسيم سوريا، ودعا إلى حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والحفاظ على وحدة الدولة السورية.

ان غياب الدليل على وجود خطة سرية لا يلغي السؤال السياسي الأهم: كيف وصلت الأحداث إلى نتيجة عززت حضور القوى الخارجية وأضعفت الثقة بين بعض السوريين ودولتهم؟

فالنتيجة العملية كانت أن قدرة سلطة دمشق -المهووسة حالياً بالخارج على حساب الداخل- على فرض ترتيبات أمنية مستقرة في الجنوب تعرضت لضغوط كبيرة، فيما أصبح التدخل الإسرائيلي عاملاً مباشراً في المعادلة، وتعزز لدى بعض أبناء المجتمع الدرزي الشعور بالحاجة إلى ضمانات خارجية. وهذا لا يعني أن المجتمع الدرزي اتخذ موقفاً موحداً؛ فقد ظهرت مواقف واتجاهات مختلفة، بينها من رفض التدخل الإسرائيلي وتمسك بوحدة سوريا، إلى جانب أصوات رأت في الحماية الخارجية وسيلة لمواجهة الخطر.

وهنا تكمن خطورة اللحظة السورية: ليس بالضرورة أن تتفق القوى المختلفة على خطة واحدة حتى تنتج تحركاتها المتقاطعة نتيجة تخدم مصالح بعضها أو تضعف الدولة المركزية.

إسرائيل أعلنت أن تدخلها مرتبط بحماية الدروز ومنع تعرضهم لهجمات، بينما أعلنت تركيا رفضها لتقسيم سوريا وتمسكها بوحدة أراضيها وسيادتها. أما السلطة في دمشق فتسعى إلى استعادة مؤسسات الدولة واحتكار القرار الأمني والعسكري. وفي المقابل، تسعى قوى الامر الواقع المحلية إلى حماية مناطقها ومصالحها وضمان أمنها.

لكن تداخل هذه المصالح فوق أرض تعاني من ضعف مؤسسات الدولة يمكن أن يؤدي إلى نتيجة خطيرة: دولة واحدة على الورق، لكن سيادتها موزعة عملياً بين ترتيبات أمنية محلية وتدخلات إقليمية وتفاهمات خارجية.

ولا تحتاج عملية إضعاف الدولة بالضرورة إلى إعلان رسمي عن تقسيم سوريا. فقد تبدأ عندما تصبح قدرة الحكومة المركزية على الانتشار في جزء من أراضيها مرتبطة بموافقة قوة خارجية، أو عندما يصبح أمن أحد المكونات مرتبطاً بحماية دولة أخرى، أو عندما تفقد الدولة احتكارها للقرار العسكري والأمني.

ومن هنا، يجب الحذر من اختزال الدروز في صورة (عملاء وأداة إسرائيلية). فهذا تبسيط يتجاهل تعقيدات المجتمع الدرزي وتنوع مواقفه. فالصراع من اجل البقاء والخوف من عنف أو سياسات السلطة لا يعني تلقائياً الرغبة في الارتهان لإسرائيل، كما أن التمسك بوحدة سوريا لا يعني منح السلطة المركزية تفويضاً مفتوحاً للتعامل مع مواطنيها بمنطق أمني ابادي.

المعادلة الأصعب هي: كيف يشعر الدروز وسائر مكونات المجتمع السوري بالأمان داخل دولتهم، من دون الحاجة إلى قوة خارجية لحمايتهم وهنا تقع المسؤولية الأساسية على سلطة دمشق.

فالسلطة التي تريد الحد من التدخل الخارجي -كما تزعم- يجب أن تكون قادرة على توفير الأمن والعدالة لمواطنيها. والدولة التي تريد من مكوناتها التمسك بها لا يمكن أن تطلب منها الثقة بها من دون ضمانات حقيقية للمساواة وسيادة القانون والمحاسبة الحقيقية. ولا يمكن بناء هذه الثقة بالخطاب وحده. المطلوب دولة مواطنة، ومؤسسات أمنية وعسكرية خاضعة للقانون، ومحاسبة على الانتهاكات، وضمانات دستورية وحقوقية واضحة، وتمثيل سياسي حقيقي لمختلف مكونات المجتمع. أما الحفاظ على وحدة سوريا، فلا ينبغي أن يكون مجرد شعار سياسي. إنه مشروع يحتاج إلى دولة واحدة، وقانون واحد، ومؤسسات وطنية واحدة، وحقوق متساوية لجميع المواطنين على اختلافهم.

وبالنسبة إلى تركيا التي تتحفنا بحضورها المسيطر على المشهد السوري، فإن دعم وحدة سوريا لا يكتمل بدعم السلطة المركزية وحدها؛ بل يحتاج أيضاً إلى دعم بناء الدولة القادرة على استيعاب تنوعها الداخلي ومعالجة مخاوف مكوناتها بالوسائل السياسية والقانونية. ولا يكفي ان الموقف التركي المعلن خلال أحداث السويداء ركز بالفعل على وحدة سوريا وسيادتها ورفض التدخلات الخارجية.

أما إسرائيل، فإن تحويل حماية مكوّن سوري إلى مبرر للتدخل العسكري يخلق سابقة شديدة الحساسية، حتى لو قُدّم التدخل باعتباره إجراءً أمنياً أو إنسانياً. فالحماية الخارجية قد تبدأ عسكرية، لكنها قد تتحول بمرور الوقت إلى نفوذ سياسي وأمني. وهذا ما يعرفه السوريون جيداً.

ان الدول لا تبدأ بالضرورة في التفكك عندما تُرسم حدود جديدة على الخريطة؛ فقد يبدأ التفكك عندما يفقد المواطن ثقته بأن الدولة قادرة على حمايته وضمان حقوقه. عندما يبحث المواطن عن أمنه في الطائفة أو المنطقة أو العشيرة، ثم يبحث عن قوة خارجية تحمي هذه الجماعة، يتحول التدخل الخارجي تدريجياً من استثناء إلى عنصر دائم في المعادلة السياسية.

وهذه الحلقة هي ما يجب كسرها في سوريا اذا قيض لهذا البلد الاستمرار. السويداء لا تحتاج إلى وصاية خارجية، كما أن دمشق لا تحتاج إلى إخضاع السويداء أو أي مكوّن آخر كي تثبت سيادتها. المطلوب هو بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، تقوم على المواطنة والمساواة وسيادة القانون. ولا يجوز أيضاً أن تتحول مخاوف أي مكوّن سوري إلى ذريعة لإضعاف وحدة البلاد، كما لا يجوز استخدام وحدة سوريا ذريعة لتجاهل مخاوف مكوناتها أو حقوقها.

إن السؤال الذي تطرحه السويداء لا يقتصر على معرفة من ارتكب الانتهاكات ومن أمر بها ومن تدخل بعدها، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف وصل السوريون إلى مرحلة أصبح فيها الخارج قادراً على تقديم نفسه بوصفه حامياً لبعض السوريين من بعضهم الآخر؟ والإجابة عن هذا السؤال تبدأ من الداخل.

فإذا نجحت دمشق في بناء دولة عادلة وقادرة على حماية جميع مواطنيها، يمكن لأزمة السويداء أن تتحول إلى نقطة مراجعة وإعادة بناء للثقة. أما إذا استمرت الدولة ضعيفة أو إقصائية، واستمرت المكونات في البحث عن ضمانات خارجية، فإن خطر تفكك القرار السياسي والأمني سيزداد، حتى من دون إعلان رسمي عن تقسيم البلاد.

وحدة سوريا لا تُحفظ بالشعارات ولا بالوصاية الخارجية ولا بالخوف، وإنما بدولة واحدة ذات سيادة، ومؤسسات وطنية، وقانون عادل، ومواطنة متساوية. فالسيادة الحقيقية هي أن يكون المواطن السوري آمناً داخل دولته، وأن يشعر بأن حقوقه مصانة فيها، لا أن يضطر إلى البحث عن قوة خارجية تحميه منها.

السويداء ليست قضية الدروز وحدهم، كما أن وحدة سوريا ليست قضية دمشق وحدها. إنها اختبار لقدرة السوريين على بناء دولة يتساوى فيها الجميع، ويحمي فيها القانون المواطن، وتبقى فيها السيادة قراراً سورياً لا مجالاً للتنافس بين القوى الخارجية.

رأي وسيم حسان – ٢٠-٩-٢٠٢٦

الآراء الواردة بالمقال تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع.

Loading

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً