عندما يٌغالي «الثوّار»… ـ مايا الحاج

مقالات 0 admin

المشهد العربي الراهن مُشوّش. أمّا فعل مراقبته – من دون أن تفتك بك حيرة أو يُداهمك دوار- فهو احتمال شبه معدوم. والأجدر ربما أن نغضّ الطرف عن مسألة الفصول التي تمرّ بها الثورات، وما إذا كانت تعيش ربيعها أم أنّها ما زالت عالقة في مرحلة الخريف، لنُدقّق بدلاً من ذلك في التفاصيل. لعلّها توضح الصورة الأكبر.

أن يُقام في القاهرة مهرجان موسيقي ضخم يُحييه كبار فناني الجاز في العالم، في وقت ينشغل القضاء المصري بمحاكمة عدد من الأدباء والفنانين بتهم مختلفة، فهي خطوة جريئة في وجه الأصولية المتشددة.

وأن نسمع تهديدات تقضي بمنع أحد أهم موسيقيي العالم العربي – زياد الرحباني – من دخول القاهرة والمشاركة في مهرجانها الخامس لموسيقى الجاز، فإنما هو أمر متوقّع، لو أنّه صادر عن القوى الظلامية التي تحاول بسط يدها على عاصمة الفنون العربية.

أمّا أن يكون بعض النشطاء السياسيين من التيارات المدنية والعلمانية هم من يقف وراء هذه الحملة، فهذا ما لم يكن في الحسبان.

موقف زياد الرحباني النقدي من الثورة السورية، هو تهمته. والحكم عليه يقضي بالسعي الى منعه من إقامة حفلته في «مهرجان القاهرة الدولي لموسيقى الجاز». وبعدما التمس هؤلاء النشطاء ممّن شاركوا في ثورة يناير تجاهل إدارة المهرجان، هدّدوا بمنع الحفلة بـ«القوّة».

هذه الحادثة التي انتشرت قبل أيّام في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، تُعيدنا نحو ستين عاماً إلى الوراء. ولعلّ العودة إلى الماضي، في مثل هذا الحاضر الضبابي، ضرورة لاستقراء الغد وإضاءة غياهبه.

بعد قيام ثورة الضباط الأحرار في مصر عام 1952، قرّر عدد من الضباط، ضمن خطتهم للانتقام من رموز النظام الملكي السابق ومن كلّ ما يمت إليه بصلة، منع أم كلثوم من الغناء، انطلاقاً من كونها مطربة من عصر الإقطاع.

وكان لهذه الخطوة «المتهورة» أن تقضي على «فنّ» مصر وعلى صفحة مُضيئة من تاريخها الذهبي، لولا انتباه جمال عبدالناصر إلى رمزية أم كلثوم ومكانتها، معتبراً إيّاها «قيمة» لا يُمكن اقتلاعها، مثلها مثل النيل والأهرام… وذهب عبدالناصر إلى حدّ الاعتذار منها شخصياً باسم الثوّار الذين كادوا يقترفون في حقّ بلدهم وشعبهم ما لم يقترفه النظام الذي انقلبوا عليه.

مع كلّ الفوارق بين كلتا الحادثتين، إلاّ أنّ حادثة الأمس تُذكّر باليوم. فالثوّار هم عادة مندفعون. ونجاحهم في تحقيق انقلابهم الكبير غالباً ما «يُلخبط» عقولهم. فتغدو قراراتهم في كثير من الأحيان متهورة، وينسون أنّ لا أحد يملك حقّ محاربة الفنان بفنّه.

يُقام مهرجان القاهرة الدولي في دورته الخامسة من 21 آذار (مارس) إلى 23 منه. وفي حال نجح هؤلاء النشطاء في تنفيذ تهديدهم وفي إيقاف حفلة زياد المنتظرة، سيكونون نجحوا في إرساء أصوليتهم الفكرية العلمانية التي تجعلهم على مسافة واحدة من الأصوليات الدينية المتزمتّة. ومن المفترض أنّهم أدرى الناس بأنّ الثورات تروح وتجيء، والثوّار يموتون ويولدون، لكنّ الفنّ وحده يبقى ليشهد دوماً على التاريخ.

الحياة ـ ٦ مارس ٢٠١٣

Loading

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة