«حزب الله»: فائض القوة في مواجهة الدولة – لموفق نيربية

لطالما استمدّ حزب الله شرعيّته من مصادر «الوطنية التقليدية»، مثل «المقاومة» و«تحرير الأرض» و«الدفاع عن الحدود»، وكانت حجّته عالية الصوت دائماً، أن سلاحه من أجل دفع الظلم الإسرائيلي والأمريكي، ولحماية لبنان من المطامع الخارجية. وقد حقّقت تلك السياسة نجاحاً منقطع النظير، خلال بضع سنوات ابتداءً من حرب 1982، مع أنها بدأت عملياً بتصفية بعض اليساريين وشخصيات الحركة الوطنية، ربّما لبناء هيبته المطلوبة.
نجحت هذه السردية في جذب شرائح عريضة من اللبنانيين والعرب غير الشيعة، ومن قوى سياسية قومية ويسارية، رغم وضوح استناده إلى ارتباط وثيق بمرجعيّته الإيرانّية، أو بالوليّ الفقيه والأيديولوجيا والمؤسسات المتفرعة عنه. رأى هؤلاء في الحزب والمقاومة ضرورة وطنية، وظاهرة جذّابة بجدّتها واختلافها عمّا ألِفوه من فشل وفاشلين.
في تاريخه المثير، ورغم كلّ صخب الوطنيّة القديمة، اعتمد حزب الله على ارتباطين «خارجيين»، في سوريا الأسد وإيران المرشد وولاية الفقيه. وفي الارتباط السوري، كانت علاقاته أكثر تكافؤاً نسبياً في عهد الأسد الكبير، تنتقل من نجاح إلى آخر في سياق مصلحة النظام السوري في الابتزاز الوطني والقومي، مستخدماً موقفه الجذري تجاه إسرائيل، وفي «إرهاب» خصومه الداخليين والخارجيين، وفي إحكام قبضته على لبنان. لكنّ حزب الله تدخّل أيضاً في سوريا، وأسّس قاعدة قوية ومؤسّسة لنفسه في عدّة مناطق، وأهمّها في ضاحية دمشق المهمة: السيّدة زينب. في المرحلة الأولى كان مختبئاً وراء اسم الراحل السيد محمد حسين فضل الله، قبل أن يصطدم به لحساب الوليّ الفقيه، إضافة إلى الاستفادة من تداخل نشاطه مع حزب الدعوة العراقي، الذي كان منفيّاً ولاجئاً هناك أيضاً، وبين منفييه يومذاك نوري المالكي، لكنّه استقلّ بنفسه وتشعّبت بنيته وركّز ارتباطه الأساسيّ بالتدريج مع المركز في طهران وقم، مع تصليب علاقته في الوقت نفسه مع النظام السوري، وتبادل المصالح معه في لبنان. كانت ذروة التقاء المصالح يوم نفّذ الحزب عملية اغتيال رفيق الحريري، التي كانت منعطفاً، أو بداية منعطف خطير لنظام الأسد، الذي تركّزت عليه الاتّهامات بعمليّة الاغتيال تلك.
في سوريا، خاض مقاتلوّ الحزب حربهم الأكبر والأطول، من أجل إنقاذ النظام من السقوط، في إطار تنسيق إيراني، وتداخل مع نشاط الميليشيات الشيعية، التي جاءت لاهثةً من العراق، وبعضها من شيعة أفغانستان وباكستان أيضاً.
إن المركز المتميّز لحزب الله في «الحرب» السورية، كان مرتبطاً بقوّته المتميّزة. لكنّ هذه لم تكن كافية في النتيجة، حتى تدخّل فيلق القدس وقائده مباشرة لهندسة عملية منع النظام من السقوط، بما في ذلك مساهمته في استجلاب الغزو الروسيّ حين أصبح ضرورة حاسمة. انكشف غطاء» الوطنية» بالتدريج منذ استطاع الحزب القبض على قرار الحرب والسلم في لبنان، واختطافه من بعبدا وساحة النجمة ومؤسسات الدولة، حيث وضعه في عهدة القيادة السورية قليلاً، والقيادة الإيرانية كثيراً ودائماً: من المرشد الأعلى إلى الحرس الثوري، منبع تسليحه وقوته منذ البداية.
شهد لبنان حدثين كبيرين في أكتوبر 2019، وفي أغسطس 2020، كان لهما دور كبير في إحداث صدمة قوية وحركة فعّالة في الشارع، ما أدّى إلى انتعاش نسبي في الوطنية الحديثة/ المدنية. فقد اندلعت ابتداءً من أكتوبر احتجاجات واسعة إثر قرار فرض رسوم على اتصالات واتساب، تحوّلت إلى مطالبات بإسقاط الطبقة السياسية السائدة. كان من نتائجها المباشرة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري. كما شملت الاحتجاجات كلّ مظاهر التدهور الاقتصادي والمعيشي وأزمة السيولة وانهيار سعر الصرف وفرض قيود مصرفية مؤذية. هبّت بتأثير تلك الانتفاضة رياح جديدة، حملت بعض الآمال بتجديد الحياة السياسية، ولو جزئياً على الأقل.
بعد أشهر حدثت كارثة انفجار مرفأ بيروت، التي نجمت عن تخزين 2750 طناً من نترات الأمونيوم، التي تٌستخدَم في صناعة الأسمدة، لكنّها أساس ضروري لتحضير المواد المتفجّرة المستخدمة خارج المؤسسات الرسمية. تمّ تخزين تلك المواد بطريقة خاطئة، وغير آمنة ولمدة طويلة (ست سنوات)، وقيل إن خطأ فنياً أدّى إلى توليد شرارة أحدثت الانفجار. كان ذلك الانفجار، إضافة إلى عدد الضحايا والمصابين الكبير وتدمير جزء من بيروت ذاتها، سبباً لتحريك تحقيقات وغضب على إهمال المسؤولين الرسميين، وإلى بحث فيمن يمكن أن يكون قد استورد تلك الكميات وتركها عرضة للأخطار: وورد في ذلك اسم النظام السوري وشركائه اللبنانيين، من جديد.
كلا الحدثين، أطلقاً مناقشات غير تقليدية بين شباب غير تقليديين، للبحث في حاجات البلد إلى وطنية جديدة، تستند إلى المواطنة والدولة الحديثة والعطش اللبناني الشديد إلى تغيير ينتقل من الركود إلى الحيوية. لكنهما لم يكونا كافيين لنقلة «تاريخية» حقيقية بعد. لقد تبيّن أن هنالك قطبين لحالة العجز تلك، تفسّخ السياسات وفسادها من جهة، واستحكام حزب الله في مركزه المانع لأيّ تقدّم، إلّا ما يخصّ وظيفته «الخارجية». تجلّت المعضلة الأخيرة بطريقة فاضحة مؤخّراً مع الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران… وحزب الله من جهة أخرى.
فقد ابتدأت حرب الإسناد- كما سميت- في اليوم التالي ليوم «طوفان الأقصى» دعماً لحركة حماس، واستفزّ الحزب الإسرائيليين، بحيث تعاظم الصدام على الأرض اللبنانية وصار حرباً جديدة، لم تنته إلّا بتسليم الحزب باتفاق وقف إطلاق النار مع بدء «عملية ردع العدوان» من شمال غرب سوريا إلى حلب ثم دمشق وسقوط الأسد. لكنّ نتائج تلك الحرب كانت نكبة جديدة عليه وعلى لبنان، من يوم فضيحة انفجارات أجهزة «البيجر» حتى مقتل زعيمه حسن نصرالله… وترافق ذلك مع خسارات أخرى كبيرة. لكنّ تصميماً لبنانياً ظهر وأخذ يتعاظم في اتّجاه استعادة قرار الحرب والسلم من بين أيدي الحزب وإيران، إلى الدولة ومؤسساتها الدستورية. كانت نتيجة ذلك التصميم عملية انتخاب رئيس للجمهورية (جوزيف عون) وتكليف رئيس للحكومة (نواف سلام)، وكلاهما ضمن مشروع واحد طامح لاستعادة القرار، وللاشتغال على حصر السلاح بيد الدولة، تنفيذاً لمتطلّبات قرار وقف إطلاق النار سابق الذكر، ومن أجل استعادة لبنان أيضاً.
في أجواء التفاؤل بذلك الاتّجاه، ظهر ما يدفع نحو عكسه تماماً، مع اندلاع الحرب على إيران، واندلاع حرب الإسناد، التي يسند فيها الفرع رأسه، من دون أن يأبه بلبنان وشعبه، بل ببيئته الحاضنة نفسها.
هل يمكن استعادة الوطن.. من الساحة إلى الدولة؟
أثبتت التجربة اللبنانية/ السورية أن «الوطنية» يجب ألّا تكون حجاباً فارغاً لتبرير فائض القوة، أو غطاءً لوظيفة إقليمية من بلدٍ آخر، حتى لو كان مقراً للوليّ الفقيه؛ بل شكلاً تتجلّى به ومن خلاله المواطنة أولاً، وسيادة القانون الواحد السائد على الجميع ثانياً. لا يمكن لبلد أن يحيا برئتين، واحدة تتنفس هواءه والأخرى تتغذى على طموحات عواصم أخرى. وربّما أصبح واضحاً أكثر من أي وقت مضى، ذلك الوعي المتنامي اليوم، خصوصاً داخل البيئة التي كانت تُعتبر «خزاناً» لتلك الأجندات، ما يؤكد أن المزيد من اللبنانيين باتوا يدركون أن الكرامة أو العزّة الوطنية الحقيقية لا تصنعها الصواريخ العابرة للحدود، بل تصنعها الدولة القوية، والقضاء العادل، والاقتصاد المنتج الذي يحفظ كرامة الإنسان في أرضه.
القدس العربي -٢٤-٣-٢٠٢٦
الآراء الواردة بالمقال تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع.
![]()