مناقشة لمقال “البديل الاسلامي لن يكون ديموقراطيا “
مناقشة لمقال “البديل الاسلامي لن يكون ديموقراطيا “
في السفير 13/12/2012 العدد 12356
عصام دمشقي الايام
السيد ميشيل كيلو : لو انه قال “البديل الديموقراطي لن يكون اسلاميا”
يعنون السيد ميشيل كيلو مقالته “البديل الإسلامي لن يكون ديموقراطيا” وترافقنا فكرة “البديل الإسلامي” باعتباره كيان واضح المعالم في كل سياق التحليل الفكري والسياسي في مقالته رغم قوله من البداية عن هذا البديل: ” الذي يصعب تعيين حدوده أو طابعه، بسبب تنوع وتضارب أنماط واستراتيجيات القوى الإسلامية، وخاصة المسلحة منها”فهل من مصلحة “البديل الديموقراطي” ان يوضع في مواجهة “البديل الاسلامي” ذلك المصطلح الضبابي والذي يوحي بالكثير من التعمية ؟اليس من مصلحة البديل الديموقراطي النظر إلى مكونات البديل الاسلامي مفككة والبحث عن التقاطعات الممكنة مع بعض مكوناتها ؟ألا يجب التمييز بين المكون الإسلامي الشعبي والمكون الإسلامي السياسي؟ الا يفيد هذا التعميم التعسفي بربط الاسلام عموما”وهنا المضمر الاسلام السني” بالاصولية والسلفية لتبقى الديموقراطية للاقليات وللعلمانية ؟ ماذا تقول لنا تجربة مصر بهذا الصدد هل استطاعت قوى الاسلام السياسي مصادرة الشارع الاسلامي؟ لابد ان الكثيرين من الديموقراطيين والعلمانيين الذين وافقوا السيد ميشيل وضعوا اشارة مساواة ضمنية بين البديل الاسلامي وجبهة النصرة حتى يرتاحوا من المآزق التي وضعها أمامهم السيد ميشيل كيلو ولابد انه قد افترض مثل هذه المساواة حتى يستمر اعتقاده بمنطقية تحليله . لو أنه عنون مقاله ب “البديل الديموقراطي لن يكون إسلاميا” لخدم أفكاره بشكل أفضل .
“إسقاط النظام السوري سيأخذنا بصورة حتمية إلى البديل الديموقراطي ” نعم كان يسود مثل هذا الاعتقاد لكن السياسيين أو اصحاب التجارب السياسية كانوا يعرفون أن الأمر مختلف فشعارات الثورة هي الحرية والكرامة ،اما الجماهير الثائرة فلم تمتلك يوماً برنامجاً له علاقة ببديل ديموقراطي. و من جهة أخرى الثورة السورية انبثقت عفوياً بتأثير الربيع العربي ،وبالطبع على قاعدة الاستبداد التاريخي، فهي غيرمنظمة ولا تقودها قوى أو أحزاب لديها برنامج ديموقراطي أو برامج من أي نوع آخر.
كل حديث عن السلمية والعسكرة يترك أية إيحاءات بأن العسكرة كانت خياراً وليست ضرورة لجأ إليها الشعب و تحميل العسكرة مسؤولية تعقيدات الأمور، هو حديث فيه تعمية ونفترض انها غيرمقصودة كما في مقدمة المقال” كان الحراك فيها سلميا، رغم ما أريق خلالها من دماء بريئة برصاص السلطة. لكن الامور بدأت تصير أكثر تعقيدا، بعد بدء عمليات الجيش الحر والمقاومة” إذا كانت العسكرة أمرضروري ومفهوم فإن هذا لايعفينا بالطبع من مناقشة من هم العسكر وماذايفعلون ؟ إذا افترضنا العسكر يعملون تحت راية برنامج ديموقراطي فهل نكون ضد العسكرة ؟ طبعا كائنا ما كان العسكر لا بد أن نطلب منهم الالتزام بسلوكيات متوافقة مع معايير إنسانية أخلاقية في القتال وفي التعامل مع المدنيين.
“اليوم، وقد استقدم المجلس بالتعاون أو بالتكامل مع النظام جميع القوى الاقليمية والعربية والدولية إلى سوريا” انا هنا لست معنيا بالدفاع عن المجلس المقصود “المجلس الوطني” بقدر ما يهمني نقاش فكرة التدخل الخارجي. وفي قراءات سابقة كان السيد ميشيل كيلو يحمل النظام المسؤولية حسب ذاكرتي ، بغض النظر عن ذلك الآن هو يوزع المسؤولية بين النظام والمجلس الوطني .
وهنا نذكر:
1-التدخل العربي “حزب الله”والعراق، والاقليمي “ايران” والعالمي ” روسيا” كان الأسبق لإختراق اللعبة السياسية السورية فهل كان على المجلس الوطني رغم ذلك أن يكتفي بالقول أنه ضد هذه التدخلات؟
2-التدخل السياسي والعسكري المؤيد للثورة في سورية تأخر كثيرا خاصة بالمقارنة بالتدخل الخارجي السياسي في مصر وتونس والعسكري في ليبيا .
3-التدخل الخارجي بمعناه الاوضح “الليبي ” كان مطلب المظاهرات الشعبية في سورية ولم يتبن المجلس الوطني هذا الخطاب الا كتلبية للمطلب الشعبي وبعد عدة أشهر .
4-الموقف الشعبي لا يتعامل مع التدخل الخارجي كمقولة ايديولوجية بل يتعامل معه بشكل واقعي فقد طالب بالتسليح وطالب بالمناطق الامنة وبالتدخل الخارجي لإسقاط النظام لكنه في الأسابيع الاخيرة رفض إرسال قوات سلام دولية لأنه يعتبر أنها ستحمي النظام من السقوط وقد رفض رئيس الإئتلاف الوطني التدخل الخارجي .
5-أخيراً إن التوهم والإيهام أن التاريخ النقي وال”وطني” يصنع دائما في الداخل وبدون دور للخارج هو خدعة علمتنا إياها الكتب المدرسية لكنها لاتتوافق مع حقائق التاريخ .مدارسنا علمتنا الاحتفال بشهداء 6 ايار لكنها لم تعلمنا أنهم اتهموا بالعلاقة بالسفارات الغربية أي ب”الخيانة ” ضد الدولة العثمانية وبالطبع هذا لا ينقص من وطنيتهم قيد شعرة.
6-أخيراً لا تزال هناك مشكلة بحاجة للحل وبجرأة من قبل الجميع، هل يستطيع أحد الجزم بأن النظام لن يستخدم الكيماوي وان هذا الحديث مجرد دعايات غربية تحضيراً للتدخل في سورية؟ وإذا كان هذا الإحتمال قائماً فهل نرفض عملا وقائياً، هو حكما تدخل خارجي، يجنبنا مخاطره ؟أم ننتظر الفاجعة وبعدها سيتكلم الكثيرون منا عن نفاق الغرب وخذلانه لنا وزيف نزعته الانسانية؟
الحديث عن تقلص الحراك أمر مفهوم في ظروف العسكرة أما تقلص الطابع الثوري للحراك كما يقول السيد ميشيل كيلو فهو أمر ينطوي على تعميم مجافي للحقيقة خاصة عندما يتحدث عن “سيادة عقلية منحطة ….الخ” ولا يمكن ان ننفي وجود مظاهر سلبية وتفاصيل سيئة لكن اعتبار أن ذلك هو “السائد” أو الذي “يسود” هو مبالغة لاتتناسب مع الكثير من الوقائع والتفاصيل الاخرى في الكثير من المناطق التي رفعت لافتات تؤكد على الدولة المدنية وعلى رفض التكفير ورفض الاستئثار وتتوجه بالنقد للنصرة وللجيش الحر أيضاً والتي منها لافتات كفرنبل والزبداني كما وتشكل حادثة عقرب وتصريحات القائد المتميز العقيد ابو فرات وقائع في الاتجاه المعاكس تماما…. يمكننا فهم أي انتقاد وأي تهمة لأي طرف من أطراف المعارضة مع التحديد والتوضيح أما العودة لاستخدام الخطاب الايديولوجي التخويني عن ” جماعات اسلامية” دون تحديدها واعتبارهم مجرد كذابين ومتهافتين على السلطة بما يوحي بأن الجماعات العلمانية والمدنية من المعارضة لا ياتيها الباطل لا من خلفها ولا من أمامها فهو تراجع خطيرعن نمط الخطاب العقلاني للسيد ميشيل كيلو .
إن الإيحاء بأن تقلص الحراك الثوري تتحمل مسؤوليته بعض الجماعات الإسلامية أيضاً أمر مجاف للحقيقة فالتقلص سببه التحول نحو العسكرة وبدقة أكبر تحويل النظام لساحات المدن والارياف إلى ساحات معارك ومواقع ثكنات وحواجز، والتراجع لا يقتصر على مناطق محررة أو فيها نفوذ للنصرة وبالمناسبة الحراك السلمي في بنش مثلا يتعاطف مع النصرة وهنا أنت بحاجة للكثير من الحكمة للتعامل مع الموضوع وعدم الإكتفاء بالاتهامات والترحم على الايام الجميلة بل ان تسمية الجمعة الاخيرة كلها كانت مخصصة لدعم النصرة .
لست مهتما بالدفاع عن المجلس الوطني فيما يخص استئثاره وبيروقراطيته ومحاولة الاسلاميين فيه الهيمنة لكن هذه الدفعة من الاتهامات التي تصل لحد تهمة اثارة التفرقة والاقتتال بين أًبناء الشعب السوري تبدو ردحاً سياسياً أكثر مما تبدو تعريفاً لواقع محدد، مثلما هي تهمة” إطالة عمر النظام وشحن المجال الشعبي بخلافات واخطاء ..ترقى إلى حد الجرائم”. لن يلوم أحد المنبر الديموقراطي على انتقاداته لل” إسلاميين” ولكن في كل مرة يجب عليك أن تقول من تقصد إسلاميو بنش الداعمين للنصرة ام إسلاميو المجلس الوطني أم إسلاميو النصرة؟ومن ناحية اخرى غالبا ما يقع منتقدو المجلس في خطأ مزدوج من جهة إنكار دوره وعلاقته بالثورة بقصد عدم نسب أي قضل له ومن جهة تضخيم تأثيره عند الحديث عن السلبيات في الثورة وفي الحالين هناك مبالغة غير مبررة.
“من الضروري إنقاذ الثورة واستعادة هويتها الأصلية كثورة من أجل حرية الشعب…..”
إذن الثورة السورية سقطت أو انحرفت ويريد السيد ميشيل إنقاذها ولأجل ذلك يطلب الإجابة على سؤالين :هل كل من يريد إسقاط النظام ثوري ؟وهل سقوط النظام هو الثورة ؟ وهو يجيب في مقاله أنه كان مع التناقض الرئيس بين الشعب والنظام دون يوضح بأنه غير موقفه من هذه النقطة إلا بإيحاء غير واضح بمعنى أنه لم يعد يعتبر كل من يريد اسقاط النظام هو في صف الثورة وبالنسبة للسؤال الثاني هو محقاً لا يعتقد أن سقوط النظام هو الثورة . إن إجابة جديدة على سؤاله الاول ترتب تغييراً هاما فطالما أن ال” اسلاميين ” الذين يتحدث عنهم غير ثوريين وهم خطر على الثورة مطلوب تحديد موقف منهم هل على الثورة أن تكتفي بعدم التعاون معهم أم عليها أن تقاتلهم وأين تضع الثورة جهدها الرئيس في مواجهة النظام أم في مواجهة الخطر” الإسلامي” أم توزع نيرانها بالتساوي؟ويزيد الموضوع تعقيداً أن السيد ميشيل يجمل “في سلة واحدة” اسلاميين في المجلس الوطني وفي الجيش الحر وفي جبهة النصرة ولدى الشعب الثائر. وإذا اتفقنا على هدف إنقاذ الثورة فإننا بحاجة للاتفاق على الاداة ، لم يسعفنا السيد ميشيل ماذا نفعل ولم يقل لنا ماهي أداة أو وسيلة إنقاذ الثورة ،ترى هل هي العودة للسلمية وهل مثل هذه العودة ممكنة؟
إن التحول لمواجهة الإسلاميين حتى لو عنى بهم السيد ميشيل جبهة النصرة فقط هو خطأ تاريخي لا يقل حماقة عن السكوت عن التجاوزات والارتكابات العسكرية والمدنية الخاطئة التي يرتكبونها هم وغيرهم ..نعم إن الخيار التاريخي الصائب هو تأجيل الازمة أو ترحيلها لما بعد سقوط السطة إن الاستحقاق الديموقراطي في سوريا صيرورة تاريخية بدأت منذ سنتين وهي لاتنتهي بسقوط النظام ولكنها لن تستمر دون سقوطه.
إن النقاش المنطقي في هذا الموضوع شيئ والتعامل مع واقع محدد وتاريخي شيئ آخر ،فأن يضع العلمانيون والديموقراطيون أنفسهم أمام مواجهة التوجه الشعبي العفوي يعني انتحارهم وفقدان دورهم المحدود أصلا في الثورة إن التوجه الشعبي الإسلامي يريد اسقاط النظام وهويدعم كل من يسعى لذلك وهو يدعم جبهة النصرة لأنها مقاتل شجاع في مواجهة النظام أما أن يدعم برنامجها وطروحتها بعد إسقاط السلطة فأنا اتجرأ على القول لا وفي جميع الاحوال صيرورة الثورة السورية لن تتوقف بمجرد سقوط النظام ولن تستطيع إيقافها أحزاب أو جماعات إسلامية أو غير إسلامية
” أليس من الضروري أن نصحح اليوم، وقبل سقوط الأسد، الأخطاء الكثيرة، التي تم اقترافها خلال قرابة عامين من حراك كان سلميا بوجه عام ثم صار مسلحا تحت ضغط النظام الإجرامي وجهود الإسلاميين، ويرجح كثيرا أن تأخذنا إلى فوضى سلاح وتنظيمات، واقتتال أهلي، وكبح جدي وعنيف لاي تطور ديموقراطي، وإضعاف وربما اضطهاد وتصفية قوى الحرية والتقدم العلمانية” .
مرة اخرى يعيدنا الكاتب إلى تحميل مسؤولية التسليح بالمناصفة بين النظام وجهود الإسلاميين وهذا يعبر عن تجاهل عميق لضرورات العسكرة كرد على مواجهة المقومات الوجودية للإنسان السوري عموماً وتحديداً للإنسان المسلم السني فالمسلم السني هو الذي استهدف في عرضه وماله ودينه وأرضه وثقافته ولم تستهدف رموز دينية أو ثقافية لأقليات دينية أو طائفية حتى الكنائس التي دمرت في حمص لم تدمر كاستهداف للمسيحيين بل لانها توجد في مناطق تشتعل فيها الثورة وبالنهاية النظام – وهذا ليس مجرد استنتاج- مستعد لتدميروجود الجميع ليستمر بالوجود والتجربة الاخيرة في عقرب كانت واضحة رغم أن النظام لم يستخدم كل وحشيته دائماً مع الأقليات حتى في المناطق التي يوجد فيها حراك سلمي مثل السلمية والسويداء لا بطريقة الاعتقال ولا باستهداف المناطق السكنية وأماكن العبادة. هل لديك طريقة او تصور برنامجي لتصحيح الاخطاء والعودة للسلمية قبل سقوط السلطة؟نعم لا يمكن أن يخالفك أحد في مخاطر فوضى السلاح والاقتتال الاهلي ..الخ. ولكن السؤال كيف نواجه ذلك ؟إذا كان بالعمل السياسي التنويري فهذا لاخلاف عليه ….
أخيرا لا أعلم إذا كان تحقير المجلس الوطني وتسفيه إعلان دمشق وإتهام الإسلاميين بالحملة والمفرق دون تمييز حتى القلة من الإسلاميين المتنورين أو من المصرين على السلمية ، يفيد في المشروع النهضوي التنويري للسيد ميشيل كيلو.
![]()