التجربة’ والسؤال الاخلاقي: هل يمكن لأي انسان ان يصبح شبّيحاً؟ ـ سعيد أبو زينة
لم يكن زيمباردو يتوقع ما سيحصل وهو يرتب لتنفيذ تجربته، زيمباردو بروفيسور في علم النفس وهو كما يبدو موقن بأنه يعلم نظريا ما سيحصل، في أغسطس عام 1971 وبتمويل من مكتب دراسات البحرية الأمريكية بدأ زيمباردو يعد لتجربة تحاكي الظروف الطبيعة للسجون ودراسة كيفية تكيف الإنسان مع ظروف القهر والتعذيب النفسي والجسدي، بعد أن أنهى تهيئة قبو مبنى علم النفس في جامعة ستانفورد ليحاكي سجنا واقعيا، أعلن زيمباردو رسميا عن التجربة.
فيلم ‘التجربة’ هو تجسيد للتجربة الواقعية التي حصلت في أغسطس 1971 في قبو مبنى علم النفس في جامعة ستانفورد.. وعرفت فيما بعد بتجربة ‘سجن جامعة ستانفورد’، ولا فرق دراميا إن نحن سردنا القصة الواقعية أو توجهنا لتحليل السيناريو الدرامي للفيلم، بل إن نتائج التجربة الحقيقية كانت أشد وطأة ودرامية من أي سياق درامي مصطنع.
تدعى مجموعة من المتطوعين لإجراء مقابلات خاصة مع البروفيسور بعد أن وقع هؤلاء على عقد لمدة أسبوعين يقبلون فيه أن يخوضوا التجربة مع امكانية انتهاك بعض حقوقهم الشخصية، عرض كهذا لا يمكن أن يقبل إلا إن كان مقرونا بمكافئة تستحق، 1000 دولار يوميا ولمدة أسبوعين يمكن أن تكون إغراء كافيا للذين تقدموا، تنتقل الكاميرا لتبث مقاطع متفرقة وعلى طول السياق لحديث هؤلاء عن الأسباب التي دعتهم للتطوع في تجربة غامضة كهذه، ومن الطبيعي أن الحاجة مهما كانت- كمالية أم ضرورية يمكن أن تدفع إلى ما هو مجهول.
ينتقل المشاركون إلى موقع التجربة ويتم توضيح تفاصيلها:
سينقسم المشاركون إلى مجموعتين ‘حراس’ و ‘ومساجين’ (ما حصل حقيقة هو انتقاء عشوائي، لكن الفيلم يجعل احتمال أن الانتقاء مدروس قويا). لن يتواجد في موقع التجربة إلا المشاركون لتهيئة ظروف معزولة وحقيقية، طريقة التواصل الوحيدة بين المشاركين والبروفيسور هي ضوء أحمر معلق في غرفة الحرس سيضيء إن حصل خرق لشروط التجربة وأهمها :
1- إن قام أحد المساجين بإيذاء أحد الحراس وجبت معاقبته.
2- لا يجوز استخدام العنف الجسدي.
اربعة عشر يوما هي مدة التجربة ولن يتقاضى المشاركون مكافآتهم إلا بعد انتهائها، هكذا تبدأ الأمور فيلبس كل فريق زيه الخاص، يبدع ‘زيمباردو’ في التجربة الحقيقية بأن ينتقي لباس الحراس قريبا من لباس الشرطة مع ياقات أنيقة ، أما لباس المساجين ففضفاض لا ليس تحته شيء ويظن زيمباردو أن هذا الزي يجعل المسجون في ضيق نفسي وشعور بالإهانة.
يومان مضيا ولم يحدث شيء، الأمور منضبطة، والجميع يريد أن تنتهي التجربة ليتقاضى ماله .. ثم ما تلبث الأمور أن تتطور عندما يؤذي أحد المساجين حارسا بطريق الخطأ.. يجتمع الحرس ليتشاوروا في العقوبة التي سينزلونها به .. العقوبة بسيطة ، بعض الحركات الرياضية .. المهم أن لا يضيء المصباح الأحمر.
سرعان ما تتدهور الأمور فيشعر المساجين بحالة من الإهانة والخنوع فيتمردون، وعلى الحراس أن يعاقبوهم.. تتراكم نزعات الخضوع والإهانة وحب السيطرة وتتراكم حتى أنها وصلت ببعض الحرس لتنفيذ ممارسات سادية.. هنا يقف زيمباردو معلقا :’إن ثلث الحرس قاموا بممارسات سادية تجاه السجناء، وبعضهم قام بالتحرش جنسيا بأحد المساجين’، لا يتركنا زيمباردو في حيرة من هذه النتائج فيرد هذه النزعات إلى قانون نفسي وهو قانون ‘التنسيب المكاني’ ومقتضاه أن الإنسان تولد فيه نزعات مختلفة باعتبار موقعه بغض النظر عن استعداداته الوراثية.
وكما يسقط هذا القانون على الحرس فهو متمثل في نفسية المساجين.. فكثير منهم انهار واضطربت نفسيته، لكن الفيلم يحاول أن يضفي مزيدا من الإثارة على الأحداث فيضعنا أمام مقابلة صراعية بين ‘رئيس الحرس’ .. وزعيم المتمردين ‘المساجين’ ، فيظهر تطورات نفسية الحارس من إنسان لطيف إلى شخصية استبدادية سادية ويظهر كيف أن ممارساته السادية كانت بالنسبة له ‘فحولة ورجولة’ اعادت له ثقته بنفسه بشكل أو بآخر. ويظهر تحول حالة المسجون من إنسان مسالم بطبيعته إلى متمرد ثوري لا يرضى الخنوع.
أما السؤال الاخلاقي فقد كشفت التجربة الحقيقية عن نتائج كارثية بخصوصه .. يقول زيمباردو : ‘خمسون شخصا شاهدوا التجربة على الشاشات ولم تكن لهم علاقة بها ، مساعدتي هي الوحيدة التي شاهدت التجربة وتجرأت أن تناقشني فيها أخلاقيا’.
بل إن زيمباردو يعترف أنه لم يكن يريد أن يوقف التجربة حتى في أكثر ظروفها قسوة عندما قام أحد الحراس بتعذيب سجين وقام الآخر بالاعتداء عليه جنسيا.
وللفيلم طريقة رائعة في العرض الرمزي لهذه الظاهرة .. فبعد أن تدهورت الأمور ووصل الحراس إلى حالة من السادية في معاملة المساجين وقف أحدهم معارضا لما حصل أخلاقيا .. ومع أن السؤال الأخلاقي سؤال مغروس في الطبيعة البشرية إلا أن له جوابا وهو ‘السلطة’.. و ‘ النظام’ والإجرائية .. هنا تتقاطع تجربة ستانفورد مع تجربة الإذعان التي قام بها ستانلي ملغرام من جامعة ييل. وهي تكشف عن خطورة ‘التنسيب المكاني’ في هدم البنى الأخلاقية في الإنسان. يقف رئيس الحرس وينظر إلى الضوء الأحمر ويقول منفعلا : ‘ فعلنا ما فعلنا .. ولم يضئ .. نحن بخير’.
يمكن لهذه الظاهرة أن تفسر جدلية الثائر والشبيح في سياق الربيع العربي، فالثائر مستعد للقيام بتضحيات جليلة حال كونه ثائرا، وكذا الشبيح أو البلطجي فإنه يتحول إلى وحش تنهدم بالنسبة له الأسألة الأخلاقية والوجودية، فلا يرى في ما يفعله إلا تطبيقا إجرائيا لأوامر السلطة ولا يرى نفسه إلا موظفا ذا رتبة يقوم بعمله.
وفي النهاية .. فقد اضطر زيمباردو إلى إلغاء التجربة بعد خمسة أيام .. وذلك بعد شجار مع مساعدته حول أخلاقية التجربة .. ليصحو بعدها زيمباردو كما يصحو المشاركون من زيف ظنوه حقيقة .. ومن قوقعة السجن الافتراضي خرجوا كأنهم كانوا يحلمون .. وكل منهم يتحسس ضميره وأخلاقيته .. وسؤال حار فيه البروفيسور … ‘ هل نحن في خطر؟’
saidomarabuzeineh@yahoo.com
القدس العربي ـ سعيد أبو زينة
2013-02-15
![]()