حين تتحول السرديات إلى وقود للحرب – لموفق نيربية

مقالات 0 admin

فض النزاعات

أثارت علاقة حزب الله بفكر ولاية الفقيه وسياساتها وسلّم الانضباط فيها الكثيَر من التساؤلات المتعلّقة بمسألة الهوية، خصوصاً بعد جلاء ذلكّ السلّم وفعله، كما حدث عندما تمّ ربط الموقف من وقف إطلاق النار في لبنان وإيران معاً في سلّة واحدة، ورفض توضّع الجزء اللبناني في بيروت، في إطار «الدولة» ومؤسّساتها، التي يشارك فيها حزب الله نفسه، من دون أن يعترف بها: فهل ينتمي حزب الله ويشعر ويلتزم بهويّته «الوطنية» اللبنانية، أم بهوية تسمو عليها وتتوضّع في طهران؟ كذلك الأمر ذاته مع الفصائل «الولائية» في العراق، وبشكل أقلّ قليلاً مع الحوثيّ في اليمن، وربّما أقل منه بقليل في حالة حماس، لكنّها جميعها تلوي عنق مسألة الهوية المشار إليها.
في سوريا – بالطبع- هنالك ما يشبه ذلك، وهو ليس جديدا على السوريين. أذكر جيّداً كيف كان بعضنا يرفض «الاعتراف» بأنه سوريّ، ويعلن أنّه «عربي» مؤمن بالقومية العربية كهوية أعلى، لا يعترف بالهويّات «القطرية»، نتاج عملية التجزئة التي مارسها الاستعمار، وكأنّنا كنا أمة ودولة واحدة قبل ذلك! كما ورد مفهوم «الأمة السورية» منذ ثلاثينيات القرن الماضي في تراث أنطون سعادة والحزب السوري الاجتماعي القومي، لكنّه بدوره يضمّ في إطاره سوريا (التي تعني هنا سوريا ولبنان وفلسطين والأردن وسيناء والعراق والكويت… وقبرص)، لتكون «هويّة» تتوسّط ما بين سوريا الوطن/الدولة، والعروبة من المحيط إلى الخليج.
تلك نظرة فكرية وسياسية عموماً، تتفرّق أكثر بكثير داخل الشعب الواحد والدولة الواحدة: فالبعض يرفع ما يؤمن به سياسياً من أيديولوجيا دينية، مثلاً، إلى المستوى الأسمى بين انتماءاته الأخرى، وفي كلّ المجالات: حتى في مجال الحوكمة والفكر الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي. وكثيراً ما يضع المنتمون إلى «أقليات» إثنية وقومية انتماءهم ذاك فوق هويّتهم الوطنية، التي يشتركون بها مع مواطنيهم وفي دولتهم وحيّزها الجغرافي والقانوني، ليصبح هذا عامل نبذ للأكثرية نحو انتمائها الخاص بدورها.
سنحصر الموضوع ما بين السرديات السياسية والهويات الوطنية، وعلاقتها المتبادلة. بوريسلافا مانوجلوفيتش أستاذة وباحثة صربية الأصل، اختصاصية في تحليل النزاعات والعدالة الانتقالية والتعامل مع الماضي ومنع الفظائع واشتغلت في كرواتيا وكوسوفو. كان لافتاً بحثها حول «تعقيدات التعامل مع الهوية: السرديات المتغايرة وإمكانيات تحويل اتجاهها».

عالج البحث مسائل مهمة، ونبّه إلى ظاهرة تبسيط النزاع، التي تنطلق ممّا تراه هدفاً مشتركاً لتصبح امتداداً لخطاب وسياسات الأطراف الأقوى، مما ينتج عنه استعصاء حلّ النزاع. ولا يمكن البدء بتطوير حلول ناجحة، إلا بالاعتراف مسبقاً بالتعقيدات، بل وتبنيها والانطلاق منها لمعالجة الأسباب القديمة لصراعات الهويات المستعصية، لذلك من الضروري معرفة واستكشاف السرديات التي قد تتفاعل بحيث تقوّض الأمن الإنساني أو تعزّزه.
السرديات هي قصص وحكايات تُنشئ الهوية الشخصية والجماعية وتُعبِّر عنها، إذ «تقوم بتشفير مجموعة من المعارف المشتركة التي يلتزم بها الأفراد فكريا وعاطفيا». وهي تُمكّن من تشكيل وتفسير الظروف والأفعال الإنسانية بإعادة المناظرة المستمرة على المعنى وعلى فهم تلك الظروف. و»المعاني ملقاة على قارعة الطريق»، كما قال الجاحظ، والمرويّات «حاضرة في كل الأزمنة والأماكن والمجتمعات، وهي عابرة للثقافات» حسب رولان بارت. وإن القوى المؤثرة التي تُهدد الأمن البشري، «تعتمد على الصراع على المعنى». كما أنه كثيراً ما يتمّ بناء الأطروحة انطلاقاً من سرديات متضاربة.
في كرواتيا، تتمسّك كلّ مجموعة عرقية/دينية بسردية ورؤية مختلفة للماضي والحاضر، تحاول من خلالها إثبات شرعية موقفها السياسي؛ سواء كان مظلومية أم ميلاً إلى الهيمنة؛ مع الإقرار بأن السرديات تكتسب شرعيّتها أيضاً من علاقات القوة أو الدعم. فالخطاب الصربي (الأقلية) المدعّم بسردياته، يؤكّد اختلال التوازن الطبقي، وعدم المساواة الاقتصادية والسياسية، والتهميش الثقافي. أما الخطاب والسردية الكرواتيين، فيركزان على رؤية محدودة للأمن والسلام الإنساني، مع تصوير غياب العنف العرقي حالياً، ووقف الأعمال العدائية المفتوحة كقصة نجاح (يخفي انتصاراً)، ما يعني وجوب استمرار علاقات القوة القائمة والوضع الراهن. فكرة «نحن» الإيجابية، بتفوّقها ونقائها الأخلاقيين، و»هم» الأشرار، الخبثاء والسلبيين.. وأيضاً هناك سرديات متصارعة مازالت حية حتى الآن فيما يخص مجزرة سربرينتشا في البوسنة والهرسك، وكذلك ما زالت لذلك تداعيات غير محسومة بين الصرب ومسلميّ البوسنة.
اقترح بول ريكور مفهوم «الهوية السردية»، الذي يمكن تعريفه بأنه «القصة التي نرويها (نحن) لأنفسنا الآن عن ذواتنا في الماضي والحاضر والمستقبل، وعن ذواتنا والآخرين». تُركّز هذه النظرية على البنية الأساسية للتاريخ الشخصي، أو قصص الحياة، وهي لا تعتبر ظاهرة الهوية جزءا من البنى المعرفية، بل عنصرا قابلا للتحليل في التاريخ الشخصي، الذي يشمل السرديات والخطابات الشاملة حول الآخرين وأنفسنا. فالأفراد يحدّدون مواقعهم أثناء سرد القصص لمستمعين محددين في سياقات معينة، وسوف تختلف هذه القصص تبعا لهذه العلاقات. ومن النتائج المترتبة على ذلك، أن السرديات هي» نتاج رؤيتنا الخاصة للتاريخ، التي تتأثر بالسياق والخطابات الكبرى والمستمعين، لذا يمكننا القول، إنها بنى قابلة للتغيير والتحول»، وهذه الخاصيّة تحمل تفاؤلاً تختزنه في داخلها.
يظهر تحليل لمحمود ممداني الباحث والأكاديمي الأوغندي -الذي هو والد عمدة نيويورك الحاليّ بالمناسبة- كيف تغيّرت الهويات لدى التوتسي والهوتو في رواندا في أعقاب ما حدث من تغيّر كبير في الدولة ومؤسساتها، مما يبرهن على أن الهويات السردية يمكن أن يُعاد بناؤها لتُنتج سياقاً إيجابياً.
ذلك يشير بدوره إلى أن القصص المتعلقة بالفظائع التاريخية «قد تستطيع أن تنزع الإنسانية عن الآخر (المعتدي دوماً) والتقليل من شأنه، لتصبح جزءا من الهوية والنظام الأخلاقي والممارسات اليومية، مما يُضفي الشرعية على العنف ضد الآخر». بذلك يمكن القول إن الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 لم تكن فقط تتويجاً لسلسلة من الفظائع عبر التاريخ بين الطرفين، بل هي أيضا نتيجة للتكرار المستمر والتلاعب السياسي بروايات خلافية متعارضة، صاغتها أيديولوجيات ما قبل الاستعمار والاستعمار، التي عززت الانقسامات القائمة على الطبقة والعرق: من مثل أن التوتسي «أرستقراطيون» بطبيعتهم في مقابل الهوتو «الخشنين». وذلك اختزال للهويات الإثنية والثقافية المعقدة إلى ثنائيات مبسطة مثل «التوتسي أهل العزّة والكرامة والهوتو أهل الخضوع والخنوع».
نعرف ذلك جيداً في تاريخنا الديني أيضاً، وفي سياقات التزام صارم ودفاعي – هجومي لدى الشيعة والسنة، الذين اصطدمت سردياتهما بهدوء مُنذِر أحياناً وعنيف جداً في أوقات أخرى. في السردية الشيعية يتضخّم الاضطهاد التاريخي ويتركّز على مأساة الحسين بن علي في كربلاء، ويقابلها في المقابل سردية «أموية» تتمسّك بشرعيّتها. ومن ثمّ، أصبح الاضطهاد والمظلومية وتاريخ العنف جزءاً من الهوية الشيعية، والافتخار بالشرعية والفتوحات جزءاً من الهوية السنية… وما زالت الشاشات تعرض نتائج ذلك التعارض.
من المهمّ كثيراً استكشاف السرديات وتعارضاتها، التي تتولّد في سياق الصراع، وتخمد تحت الرماد بعده. بذلك تولد بعد انتهاء النزاع حالة «السلام السلبي»، التي هي مجرّد توقف للعنف. يستمرّ ذلك السلام السلبي بعد حلّ النزاع رسمياً، ويختزن ميلاً كامناً أو مكتوماً لإشعال النزاعات بشكلها السابق أو بأشكال جديدة لاحقاً، ومن جديد.
يمكننا في سوريا مثلاً، رؤية آثار صراع أو صدام السرديات تغطّي محاولات التوثيق والرؤى، وعالمَ التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والاجتماع وعلمَ النفس… وضجيجها لا يهدأ أبداً!

القدس العربي -٢٠-٥-٢٠٢٦

الآراء الواردة بالمقال تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع.

Loading

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً