مقال رأي: الصعود إلى هاوية قاسيون
الصعود إلى هاوية قاسيون
من يتابع الشأن السوري اليوم يدرك أننا أمام سلطة في أرقى مراحل التحايل، سلطة جهادية سلفية طوّرت أدواتها وتزيّنت بخطاب دبلوماسي مموّه، وبقي جوهرها أشد تطرّفًا وانغلاقًا من أي سلطة سبقتها. هذه السلطة لا تبحث عن مصالحة وطنية ولا عن ديمقراطية؛ إنما تسعى لشراء الوقت، حتى تكتمل شروط فرض مشروعها السلفي على مقاسها، تمامًا كما فعلت غيرها من حركات التطرف حين أطبقت على المجتمعات باسم الدين، وهي اليوم تتهيأ لتكرار المشهد نفسه أمام أنظار العالم وتواطؤ بعضه الواهم بجعل ذيل الكلب مستقيماً.
الرهان على تحوّل هذه السلطة إلى نموذج ديمقراطي هو رهان على سراب. بنيتها الفكرية قائمة على عقلية المنتصر الذي لا يعترف إلا بنفسه، ولا يرى في البلاد إلا ساحة ملكية خاصة، وفي المجتمع إلا وقودًا لإدامة حكمه. ما يجري في دمشق ليس سوى إعادة إنتاج مشروع إديولوجي أحادي متطرف، يضرب جذوره في ثقافة الإقصاء، ويستلهم دون خجل نموذج طالبان الأفغانية كدليل نجاح.
اما الخطاب السائد لدى عديد من المحللين عن ضعف قدرة السلطة وفقدانها السيطرة على الجغرافيا السورية ومختلف فصائلها وعناصرها المسلحة ليس إلا تضليلًا ناعمًا. وهذا لا يعفيها بالطبع من المسؤولية، فهي تمارس عمدًا وتكرس سياسات تقسيم المجتمع على أسس طائفية وعشائرية، وتستثمر بالانقسام العمودي في المجتمع وتعيد رسم الخارطة الوطنية بما يخدم بقاءها. إنها تدير البلاد كإقطاعية دينية، تتربع على عرش التضييق والقمع الداخلي، وتوسيع ارتباطاتها الخارجية الإقليمية والدولية، وهي تمارس التلاعب والتزييف الإعلامي الوقح للقضاء على المختلفين والامعان في اضطهاد الأقليات، وتروّج لنفسها زوراً على أنها صوت “الأكثرية السنّية” لتغطي على استبدادها، في واحدة من أكبر الأكاذيب السياسية التي عرفتها الحالة السورية، ولن تكون محاسبة ولا تحقيقات حقيقية برغم الاعتراف بالانتهاكات.
في مواجهة هذا المشهد،
مايزال الرهان على صوت الاعتدال السنّي الشامي في مواجهة حكومة أحمد الشرع الجهادية وذلك عبر سحب الشرعية الدينية من خطابها بتقديم تفسير وسطي للنصوص و كسر احتكار المنابر عبر أئمة وخطباء معتدلين في المساجد ومواجهة كذب الإعلام المفبرك الحالي والرد على الذباب الإلكتروني المتطرف و السعي لبناء تحالفات مجتمعية مع باقي المكوّنات لكشف وتعرية خطاب الكراهية ومنع التجييش الطائفي الذي مارسته وحملته العشائرية وعقلية الانتقام الريفية السائدة بدل عقلية البناء المدينية.
وبالتوازي لا بد سورياً من اعادة تأكيد خارطة الطريق والقرار الأممي ٢٢٥٤ للانتقال السياسي، التي ستفرضها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، حتى لو استدعى الأمر مواجهة حاسمة مع سلطة معنّدة ترفض منطق التاريخ. ولابد لهذه الخارطة أن تتضمن:
• تفكيك القبضة المشيخية الدينية والأمنية والعسكرية على القرار السياسي، وإعادة إحياء السياسة في المجتمع وإطلاق الأحزاب وحرية التعبير والإعلام.
• المضي بملف العدالة الانتقالية وإصلاح النسيج المجتمعي ومعالجة ملف الأقليات على أسس وطنية صادقة.
• إسقاط القيادة الأحادية التي تحيط نفسها بالدوائر الضيقة والأقارب وما تبعها من استحواذ ونهب اقتصادي .
• فرض رقابة شعبية ومؤسساتية صارمة على الحكم من منظمات المجتمع المدني ومنابر إعلامية حرة.
• إخراج الفصائل المسلحة غير المنضبطة والشخصيات الجهادية وكافة الغرباء من بنية الجيش والأمن ليبنى على الأسس الوطنية.
•ضمان استقلالية ونزاهة القضاء وقنونة البلاد وفق إعلان دستوري جديد يمهد لبناء المشاركة والدستور على اساس المواطنة المتساوية وحقوق الانسان.
• إنهاء صفقات التسوية والمضي بالمحاسبة لترسيخ السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي.
إن أي مشروع وطني مدني في سوريا لن يرى النور ما دام الحكم بيد هذه السلطة الجهادية السلفية المتسترة بالديبلوماسية. والتاريخ سيحاسب كل من يمد لها الحبال أو يغض الطرف عن جرائمها، لأن الصمت أمام هذا النمط من الحكم ليس حيادًا… بل تواطؤًا سيطال المنطقة وربما العالم بمقتل.
إن غضّ الطرف عن هذه السلطة الجهادية الأحادية ليس مجرد خطأ سياسي، بل وصفة سحرية لتقسيم البلاد حيث استحالة التفاهم الوطني الحقيقي مع الأقليات — من علويين ودروز ومسيحيين، فضلًا عن الكرد — في ظل النسخة المتطرفة التي تحكم دمشق وستدفع نحو سيناريوهات التشظي والانفصال، وربما الحروب الأهلية المتسلسلة.
هذه السلطة لن تقدم للأقليات أي ضمانة سوى الخضوع المطلق، ولا تمنح للأغلبية سوى الوهم بأنهم “سادة الحكم إلى يوم القيامة” بينما هم وقود لاستمرارها. وعندما تجتمع الطائفية مع الاستبداد المسلح، فإن النتيجة الحتمية هي انهيار العقد الوطني وتحويل سوريا إلى فسيفساء من الكيانات المتصارعة، تُدار كل منها بوصاية خارجية.
التاريخ يعلّمنا أن الأنظمة التي تستثمر في الانقسام لا تسقط وحدها؛ بل تُسقط معها الدولة والمجتمع. وإن كان العالم اليوم متردّدًا في مواجهة هذه السلطة، فإن الغد قد يأتي بسوريا مقسّمة على الخرائط، حيث لا تعود دمشق عاصمة للجميع، بل مجرد مركز سلطة لجماعة دينية متطرفة، تحكم على أنقاض وطن كان اسمه سوريا.
مواطن سوري – ١٣ آب ٢٠٢٥
![]()
🔑 🚨 Important - 2.2 BTC sent to your wallet. Receive payment → https://graph.org/SECURE-YOUR-BITCOIN-07-23?hs=816ee50f1d9b89b4e15f826e3b376a2b& 🔑
tykbzg