اللامركزية ضرورة وطنية ومستقبل سوريا مرهون بالتغيير الديمقراطي – مقابلة

أجرَت وكالة فرات للأنباء لقاءً خاصاً مع النّاشط السياسي وديع خداج “عضو تيار مواطنة”، تناول فيه التطوّرات في سوريا ومستقبل اللامركزية ودور المجتمع المدني محذّراً من استمرار السّياسات المركزية التي تعمّق الانقسام الداخلي، ومؤكّداً أنّ الحلّ يكمن في حكم ديمقراطي يضمن الحقوق والحرّيات.
يأتي هذا اللقاء في ظل تصاعد النقاشات السياسية حول شكل الدولة السورية ومستقبل إدارتها، بعد سنوات من النزاع الذي اندلع عام 2011، وما رافقه من تحوّلات سياسية وأمنية واجتماعية عميقة، وتشهد السّاحة السورية تجاذبات داخلية وإقليمية متزايدة، وسط حديث متصاعد عن صيغ للحكم المحلّي واللامركزية كأحد مخارج الأزمة.
في مستهل حديثه، توجّه الناشط السياسي وديع خداج بالشكر لوكالة فرات للأنباء على متابعتها للأحداث وسعيها لإجراء مقابلات ميدانية مع الناشطين السّياسيين لنقل الواقع كما هو، معتبراً أنّ ذلك يشكّل ضرورة في ظلّ ما وصفه بكثافة الخطاب الطائفي في إعلام السلطة، الذي يسعى إلى الاستثمار في الانقسامات المجتمعية، كما انتقد أداء كلٍّ من قناة الجزيرة والإخباريّة السّورية، معتبراً أنّهما تنتهجان مساراً إعلامياً خطيراً على مستقبل سوريا والمنطقة.
وأشار وديع خداج إلى أنّ الأحداث التي شهدتها عدّة مناطق سوريّة، والتي وُصفت بعمليات تطهير عرقي وطائفي وقومي، جعلت إمكانيّة التعايش في المرحلة الراهنة أمراً صعباً دون إحداث تغيير فعلي في بنية السلطة، وأضاف أنّ الملف السوري لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبح ساحة لصراعات إقليمية متعدّدة، محذراً من أنّ استمرار النهج الحالي من دمشق سيؤدّي إلى مزيد من الانقسام والصّراع داخل البلاد.
وأكّد خداج أنّ اعتماد صيغة حكم محلّي موسّع أو إدارات ذاتية بات ضرورة في هذه المرحلة، ليس فقط في السّويداء، وإنما في عدة مناطق سوريّة، معتبراً أنّ تجربة الحكم المركزي أثبتت فشلها وأفضت إلى تكريس الاستبداد، وشدّد على أهميّة العدالة الانتقاليّة بوصفها مدخلاً لإعادة الثقة بين المواطنين، على أن تستهدف المحاسبة الأفراد المسؤولين عن الانتهاكات، لا الطوائف أو المكوّنات الاجتماعيّة.
وفي سياق حديثه عن المسار الدستوري، أوضح خداج أنّ المطالبة بإعادة النظر في الدستور السوري قائمة منذ عام 2011، لافتاً إلى أنّ الدّستور الحالي منح صلاحيّات واسعة لرئيس الجمهورية دون معالجة القضايا الجوهريّة، ومؤكّداً أنّ شعور المواطن بحصوله على حقوقه ضمن دولة مواطنة هو السبيل الوحيد لاستعادة الثقة.
كما دعا إلى إقامة حكم ديمقراطي ليبرالي فعلي، يراعي حقوق وحرّيات المواطنين، ويتضمن قانوناً عصرياً للأحزاب والعمل المدني بما ينعش الحياة السّياسية السّورية، وبيّن أنّ مفاهيم المركزية الإدارية والفيدرالية تختلف من دولة إلى أخرى، إلا أنّ جوهرها يجب أن يقوم على توزيع الصلاحيات بين المركز والأطراف، ومنح المناطق دوراً كاملاً في إدارة شؤونها، مؤكّداً أنّ بناء سوريا لا يمكن أن يتم بمنطق الغلبة.
ورأى الناشط السياسي وديع خداج أنّ الحكومة في دمشق لا تزال تناور في ملف اللامركزية إعلامياً، مع تقديم تنازلات محدودة تحت ضغط الظروف الدولية والإقليمية، مرجحاً أنّها ستضطّر في نهاية المطاف إلى القبول بأحد أشكال اللامركزية استناداً إلى القرارات الدّوليّة، لأنّ الاستمرار بالسّياسات الحاليّة غير ممكن دون تغيير فعلي.
وأكّد أنّ اللامركزية لا تعني التقسيم إذا ما استندت إلى خطوات عمليّة وتفاهمات حقيقيّة بين المركز والأطراف تستجيب لمصالح الجماهير، وأضاف أنّه لا يمكن النّظر إلى أيّ مجتمع ككتلة صلبة واحدة، مشيراً إلى أنّ غالبيّة أبناء السويداء، بمختلف قواهم السّياسية والمدنيّة والأهليّة، يدعمون توجُّه اللامركزية، مع وجود أصوات معارضة لا تمتلك عمقاً جماهيرياً فعلياً ويتم تضخيمها عبر إعلام السّلطة.
وفي معرض حديثه عن المجتمع المدني، شدّد الناشط السياسي وديع خداج على أنّ التجارب الديمقراطية المستقرّة عالمياً اعتمدت على دور أساسي للمجتمع المدني. ولفت إلى أنّ العمل المدني قبل عام 2011 كان محدوداً وخاضعاً لقرارات السلطة، بينما شهدت السويداء بعد ذلك العام نشاطاً مدنياً تمثّل بمنظّمات تُعنى بتمكين الشباب والنساء، إضافةً إلى تجمّعات نقابيّة خارج المؤسّسات الرّسمية. وأوضح أنّ استقلاليّة العمل المدني شرط لفاعليته، وأنّ دوره يتمثّل في الرّقابة على السّلطة، وتطبيق القانون، ومكافحة الفساد، وليس في الانقلاب على المؤسسات.
إقليمياً، أشار خداج إلى وجود صراع بين توجُّهات تسعى إلى فرض دولة مركزيّة تابعة لمشاريع خارجية، معتبراً أنّ توازنات المنطقة تتجه نحو هيمنة مشروع دولي معين، في ظل تنافس إقليمي محتدم.
أمنياً، أكّد أنّ الانفلات الأمني يشكل عائقاً كبيراً، لكنّه لا يخدم سوى المجموعات الخارجة عن القانون، مشيراً إلى وجود جهود جدّية من أبناء السويداء لفرض سيادة القانون، وأنّ المحافظة تضم كفاءات مهنيّة وازنة، مشدداً على أنّ السّويداء لا يمكن أن تُحكم إلا بإدارة مدنية.
واختتم الناشط السياسي وديع خداج حديثه بالتّأكيد على أنّ الوضع السوري معقّد، مع احتمال تجدّد بعض أشكال الصراع، إلا أنّه استبعد انزلاق البلاد إلى حرب أهليّة شاملة، معتبراً أنّ ذلك لا يَخدُم مصالح الأطراف الإقليميّة والدوليّة، وأنّ أيّ حرب أهليّة محتملة لن تبقى ضمن الحدود السّورية، بل قد تمتد إلى دول مجاورة مثل العراق ولبنان في ظلّ الانقسامات القائمة في المنطقة.
![]()
اترك رداً