العشق في سجن النساء ـ هنادي زحلوط

مقالات 0 admin

الشمس تميل للمغيب، نحمل حقائب أيدينا ويقودنا الشرطي القادم بنا من الشرطة العسكرية إلى سجن عدرا للنساء.

عيناي ترمق الأسوار بضحكة، شعور غريب يرتجف له قلبي، لقد دخلت قبل الآن، وهنا انتظرت ملك ومن هنا خرجنا سوية وقهرنا هذه الأسوار.

يترك الملازم محمد جلسته عند باب السجن ويتجه نحونا:

-شو يا زحلوط.. هالمرة رجعتي ومعك كومة صبايا.. مو على أساس ما بقى فيه رجعة؟

-مالنا غنى عنكون

-غزاوي كمان هون.. يا أهلا يا أهلا..

-كيف البصل اللي زرعناه أنا وملك؟

-ايه.. البصل.. صاروا رفقاتكون هون عم ياكلوا منه…

يرافقنا حيث نصعد إلى غرفة الايداع، كل الوجوه تنظر إليّ وإلى رزان وتفغر الأفواه، وكأني بهم يقولون:

إذن لم تكن غلطة، إنهم معارضون مع سبق الاصرار والترصد! إنهم هنا مرة أخرى!

حين أدخل غرفة الايداع بعد التفتيش أرى الفتيات اللواتي سبقنني، يارا وميادة تجلسان مع فتيات تبدو لهجتهن درعاوية، رزان تجلس متعبة تنظر إليهن، وأنا أدخل مباشرة إلى المغسلة عند الحمام، وأجلس وسط الفتيات، تنبهني يارا إلى ابتسامتي، وتصرفاتي الطبيعية، بل وفرحي بالعودة إلى عدرا، ما يبدو على وجهي جليّا، أضحك، فلقد كان خوفنا طيلة أشهر في المخابرات الجوية لا يحتمل، ويبدو الاعتقال في عدرا أخف وطأة بكثير خصوصا مع غياب أصوات التعذيب، ووجود وجوه مألوفة في مكان اعتدناه، واعتدنا صعوبات الحياة فيه.

تناديني تقلا عبر القضبان من الغرفة المقابلة:

-ولك كيفك؟

-اشتقتلك..

-وانا كمان اشتقتلك.. بس ما كان بدي ياكي ترجعي.. كنت بدي شوفك برا..

تنهمر دموعها، أمكتوب على أهل داريا أينما وجدوا الدموع؟

-هلق هاي الدموع كلها لأن اشتقتيلي ولأنه اجيت آكل معكون من البصلات؟

تضحك الديرانية..

عدد الصبايا في غرفة الايداع يناهز الخمسة وعشرين، أفترش الأرض قرب الحائط، مدارية آلام ظهري الذي يكاد يحفّ بالأرض مع كل حركة، وأنهض صباحا فرحة بعرضنا على المحكمة، وإن تكن عسكرية هذه المرة!

في القضاء العسكري ننتهز فرصة الذهاب إلى المغسلة بعد أخذ بصماتنا لنلوّح لأصدقائنا أيهم غزول وجوان فرسو وبسام الأحمد، نفرح لرؤية جوان يضحك، وبسام كذلك، نفرح لتورد وجه أيهم رغم ملابسهم البائسة.

أتذكر صعود جوان أمس إلى الباص أثناء اقتيادنا إلى فرع الشرطة العسكرية بالقابون، صفعه العنصر البغل لضحكته، صفعه على وجهه، غابت الضحكة للحظة عن وجهه فقامت رزان من مكانها وصرخت به:

– ما تضربه.. ما تضربه قدامنا…

ركض عنصر آخر صوب الباص وقال لجوان الذي توجه إلى مقعده:

-تعا لهون تعا.. بدي قلك شغلة…

همس في أذنه بكلمات متمتما، هز جوان رأسه، وذهب وجلس في مكانه..

لا أزال مفجوعة بتلك الصفعة، وبغياب الضحكة عن وجه جوان البريء…

كم نحن أطفال أمام همجيتهم، كم تورد وجه أيهم خجلا، وفرحا بوجودنا!

إنها ثورة أطفال في النهاية، ثورة براءة، ثورة أخلاق، ربما يقطف الكبار ثمارها، لكن في البدء دوما يكون الأطفال ولا ثورة دونهم، ولا أوطان دونهم!

وفي القضاء العسكري ذاته، نفرح برؤية منى وخليل وميشال، وأنور، يستوجبنا القاضي، ويقولون لنا بأن علينا العودة إلى السجن لحين صدور قرار يتوقيفنا أو تركنا اكتفاء بمدة التوقيف السابقة!

أحاول ألا أفكر بيارو ويارا، إنه اعتقالي الثالث وقد أوصيت ملك بهما، ستطعمهما حتى يخرج لؤي من الاعتقال، كلاهما لديه مفتاح منزلي في القبو، وأشتاق لكليهما بالقدر ذاته، أشرب النسكافيه هذه المرة وأنا أدرك أن ملك تفتقدني في حريتها، أشربها وأنا لا أعلم في أي فرع أضحى لؤي، ألديه ماء يشربه؟ من يؤنسه في الزنزانة المقابلة؟

وتتسلل الغيرة إلى قلبي إذ أفكر في أن هنالك فتاة قد تكون “احتلت” منفردة مقابلة له، وأفضل ألا يكون أحد في الزنزانة المقابلة، وان يكون وحده، يا للنساء!

صابرين وآيات وأسماء، هنّ الفتيات الدرعاويات المحتجزات معنا في غرفة الايداع، الباقيات يتغيرن كل نهار، الدرعاويات يستطعن الاتصال بالهاتف، مكالمة في اليوم، لكن هذا ممنوع بالنسبة لنا، ترى صابرين لهفتي لمعرفة أي أخبار عن لؤي، وتتبرع بالاتصال بأخته فرح مساء الخميس، وتأتيني صابرين ضاحكة لا تكاد تستطيع حبس الخبر:

-لؤي طلع..طلع مبارح .. مارح تطعمينا الحلوان؟

أشتري كرات صوف كي أحيك شالا ل لؤي أرسله له، أمزج بين الكحلي والرمادي والكراميل، وأبدأ بالحياكة، كثيرا ما أتوقف لأتخيل الشال على رقبته، وأقيس حجم الانجاز وما تبقى ليستطيع لفه حول عنقه لمنع البرد من التسلل إلى عنقه.

يارا تنهي شالها الثالث، وميادة تحيك شالات لأصدقائها المعتقلين، أما رزان فقد قررت أن تقرأ وتكتب، وأن تستثمر الوقت السجين!

أكتب قصيدة عن رفاقنا أعضاء المركز، أتركها على دفتر يارا، وبينما نحاول ألا نفكر كم سيطول بنا الأمد يصدر قرار بنزالنا إلى “تحت”، وأعرف أنني غدا ملاقية طل من جديد، للمرة الثانية.

أخبر تقلا ليلا بالنزول، تبكي مجددا:

-ان شاء الله بتطلعوا متل ما صار المرة الماضية.. هالمرة ما عاد بدي شوفك هون.. بدي شوفك برا…

نجمع أغراضنا ظهرا، صابرين وأسماء وآيات أيضا تنزلن معنا، أحاول معانقة تقلا ورندة قبل أن أنزل، فأنا لا أعرف متى أراهنّ مجددا، مخيفة هي صحبة السجن، مريرة وجميلة في آن!

أنزل في آخر القافلة، أسمع صوت طل تقول للملازم:

-أي وينا هنادي؟ مو قلتلي بدها تجي هنادي؟

أبتسم في وجهها وأركض لأعانقها:

-هي جبتلك ياها.. بدك شي تاني؟

ويغلق الباب ساجنا إيانا كعاشقين لم نلتق منذ حين وقد أضنانا الفراق، فلم نعد نحسّ لا بالسجن ولا بالقضبان…

طل لا تتغير، طفلة تكبر، وهدية ما تزال تبدع أعمالا يديوية بالخرز، وتحاول التقاط بث راديو مونت كارلو كل مساء علها تتمكن من كسر الحصار الاعلامي المفروض عليهنّ، وفي سبيل ذلك تذهب إلى المطبخ وتصعد فوق الكرسي وتحاول مدّ سلك معدني يلتقط الاشارة، تدهشني مقاتلة الجبال بعنادها!

صباحا يوقظنا أبو نغم وأبو تيمور للذهاب إلى المحكمة، أضع شال لؤي على كتفي، الطريق يطول ويطول بسبب الحواجز والطرقات الخطرة، يكاد الفرح يوقف قلبي، فأنا سأرى أصدقائي مجددا…

الجلسة علنية، والمحامون هنا، كلهم، خليل وميشال وأنور، ومنى وجيهان والجميع…

أتى أهل يارا وأهل رزان، وميادة وسناء، بالطبع لم يكن أي من أهلي موجودا، وفي الوقت ذاته أحسست أن كل من في القاعة تربطني به صلات قرابة، أعطي الشال ل خليل كي يوصله ل لؤي.

يستجوبني القاضي أولا، ثم أقف أمامه، قرب أصدقائي الواقفين أمامه، تحين مني التفاتة إلى اليمين، حيث الباب، أرى شابا طويلا، عريض الكتفين، كتف يديه، لكن لا، أقول لنفسي، شعره قصير، ولكن بلى، إنه لؤي!

لا أعرف كيف أمسك يدي من الهرولة إلى حضنه، ألوّح له من بعيد وأهمس بشفتي: كيفك؟

لا يتحدث لؤي، عيناه تتحدثان…

القاعة كلها تتطلع إلى حديثنا الصامت، القاضي يرمقني بنظرة كي أصمت، ويارا تقترب مني وتقول لي:

-هادا هوي لؤي؟ يخرب بيتك.. شكله شبيح!

يتسلل لؤي إلى قربي، يجلس في الصف الأمامي، يكتشف أنور الأمر فيطلب لي اذنا بالجلوس لأني متعبة، أجلس في الصف الآخر، بيننا الممر.

-كيفك؟

– أنا منيح انتي كيفك؟

-مشتاقتلك..

-الدنية مالها طعم بلاكي…

-شبها ايدك؟ ليش هاد المشدّ؟

-مكسورة.. بس ما تاكلي هم…

ينتهي الاستجواب ومساعد الشرطة العسكرية يقترب منا لاقتيادنا في دورية إلى سجن عدرا، يمسك لؤي بيدي ويقبلها، والجميع ينظر إليه:

– ديري بالك على حالك.. رح اجي زورك..

أمسك يديه وأضمهما بيدي..

يتبعنا لؤي حتى الدرج، وقبل أن يقيدوا يديّ، يطبع على يدي قبلة أخيرة ويودعني بعينيه، والشال على عنقه…

بعدها بيومين في الثاني عشر من أيار يسمح لنا باتصال هاتفي، نشعر بأنه حق من حقوق نضال ما بعد الثورة، فقبل ذلك كان ممنوعا علينا المطالبة بهذا الحق، أنتظر زيارة لؤي مع المحامين نهار السبت، فلا يأتي، ولا يأتي أنور وميشال اللذان وعدانا بزيارة!

في المساء يأتي خبر اخلاء سبيل معتقلي المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، دون أن نتمكن من معرفة إن كان مازن وهاني وحسين وعبد الرحمن ومنصور، قد أخلي سبيلهم معنا…

أودّع طل، التي توصيني بألا أنساها، وألا أعود لزيارتها، فهي ستخرج، أؤكد لها ذلك..

أودّع أسماء، الباكية، المشتاقة لخطيبها عبد، وأودع صابرين التي تقاسمت معي حتى حصتها في الاتصال الهاتفي، والأشواق، وكانت حمامتي الزاجلة التي تتحدث إلى لؤي عوضا عني، وتخبره أشواقي، أودع آيات الصغيرة، التي تنتظر خروجها لتتزوج!

في الخارج تندفع كل من صديقاتي إلى عائلتها، يضمني أصدقائي ويباركون لي بالسلامة، فأسأل وعيناي تبحثان في نور ذلك المساء:

-وينو لؤي..

لؤي الجالس بعيدا مترقبا إن كنت سأتذكره في تلك اللحظة أم لا، ويأتي صوبي…

 26/6/2013: كلنا شركاء

Loading

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة