في التنازع على تأويل انتخاب روحاني وتوظيفه ـ بشير هلال
وصَف الإعلام الغربي بـ «الحذِر» الترحيب الرسمي الذي غلب على ردود الفعل الدولية والعربية بعد انتخاب الشيخ حسن روحاني «المعتدل» و»الديبلوماسي» رئيساً للجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ الدورة الأولى، وخروج اهل طهران وبقية المدن في احتفاء استثنائي بذلك. والأصح ان ذاك الحذر كان ضعيفاً إلى درجة سمحت مثلاً بإنهاء المعارضة الغربية المُعلَنَة لإشراك إيران في مشروع جنيف 2 الخاص بسورية. وبدا المتحفظون الفعليون قلة أتى معظم أفرادها من عالم مراكز البحوث والصحافة.
يمكن حمل الترحيب الآمِل على وجهين:
الأول، حاجة القوى الإقليمية و»المجتمع الدولي» الى مخرجٍ من الحلقة السوداوية المغلقة التي تتطور ضمنها منذ سنوات «ازمة» اسرائيل والولايات المتحدة والغرب عموماً مع إيران بوصفها أزمة الملف النووي حصراً، بينما تميل القوى الإقليمية العربية إلى تقديمها كأزمة ناجمة عن التوسعية الإيرانية وآثارها التفكيكية (تحت غطاء المقاومة والممانعة) ليس للأنظمة فحسب بل للمجتمعات أيضاً… عبر سيرورة إقحام طهران ومحاولاتها استتباع شيعة الدول العربية، والتدخل المباشر في المشهد السياسي لكل دول المشرق. وهو وضع يتداخل معه الملف النووي كعامل نوعي مُضاف إلى قدرة التهديد، في مشروع الهيمنة الذي تُفاقمه أيديولوجياً فئويته المذهبية وجيوبوليتيكياً الإصرار على الصفة الفارسية الأحادية للخليج.
الوجه الثاني، حاجة الغرب بخاصة السياسة الأوبامية، إلى تأويل ربح روحاني كنتيجة نجاح فعلي للعقوبات بمعنى تأثيرها في الوضع الاقتصادي- السياسي للنظام الإيراني، وتخفيض منسوب شرعيته الشعبية بما زاد تناقضات أطرافه وهدد بانفجار معارضة أكثر تصميماً وجذريةً، وبأن هذه المعادلة هي التي كانت وراء قبول هذا النظام مرغماً او ترتيبه طوعاً انتصار روحاني بمعزل عن التفاصيل. وهو ما سيدعم اعتباره خياراً حقيقياً لمجابهة المشروع النووي الإيراني أولاً، ويُشرعِن لجم اسرائيل والخيار العسكري ثانياً. يلتقي ذلك مع حاجة الإعلام الغربي الى عنوان غير التلويح بحرب يجري الحديث عنها والتكهن بمواعيدها وسيناريواتها المحتملة منذ سنوات دون طائل أو تفسير لعدم حصولها، الأمر الذي يشكل تأكيداً جديداً للفارق بين ظاهر الخطاب السياسي وبين السياسات والأعمال الفعلية للقوى العظمى.
فكأنه أريد لموجة الترحيب التي لم يشذ عنها سوى نتانياهو وأكثرية السياسيين الإسرائيليين، أن تقدِّم نجاح الشيخ روحاني بمثابة العنصر الأهم في تركيب السياسة الخارجية الإيرانية المقبلة واحتمالات تعديلها، وليس كعنصر جزئي فحسب في هذه السياسة. وهذا يعني إحلالاً على مستوى الإعلام لأفق التسوية الافتراضية مكان الحلول العسكرية التي فقدت صدقيتها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إلغاء احتمالها في السياسة العملية. وضمن هذا السياق طوَت واشنطن ما كانت قالته قبل يومين عبر الناطق باسم وزارة خارجيتها باتريك فانتريل، تعليقاً على رفض مجلس صيانة الدستور «غير المنتخب وغير المسؤول امام الشعب الإيراني» مئات الترشيحات وتقليص لائحة المرشحين إلى «ثمانية مسؤولين يعتبرهم النظام ممثلين لمصالحه، وليسوا بالتالي ممثلين لمصالح الإيرانيين»، في حين يجب أن يكون لهم حق «اختيار رئيس يعكس طموحاتهم». كما طُويت للغرض ذاته الانتقادات التقليدية التي اعتاد الأميركيون والغربيون إثارتها عن حرية التعبير والتنظيم في معرض المناسبات الانتخابية في الدول ذات الأنظمة الهجينة، كتلك الحاكمة في روسيا وأوكرانيا وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، او تلك التي تطبق نظام الحزب الواحد.
إذا كانت الحاجات المذكورة شجعَّت تضخيم إيجابيات انتخاب روحاني، وساهمت في حجب الأسباب الكثيرة للنقد إلا أنه يمكن القول، رغم ذلك، ان الموقف المُرحِّب بعد تحفظ الذي اتخذته الإدارة الأميركية لم يأتِ فقط بفعل هذه الحاجات. لقد أتى كذلك نتيجة البزوغ المتجدِّد لعامل غير ستاتيكي هو المزاج الشعبي الذي لم يتمثل بنسبة المشاركة وفوز روحاني منذ الدورة الأولى فحسب، بل كذلك بضخامة ومطالب وشعارات التجمعات الشعبية المنعقدة احتفاءً بالانتخاب، ليس بصفته تعبيراً عن حرية الانتخابات ولا باعتبار الرئيس المُنتخَب معتدلاً وفق التصنيفات الراهنة، ولكن كنقد للنظام يزاوج بين الأمل بإصلاحه وبين تغييره، والدعوة إلى استعادة صلة طبيعية بالغرب وبالعالم، وإنهاء المغامرات الخارجية وتقليص الإنفاق عليها.
فقد هتف المحتفلون «قريباً سيأتي التغيير… باي باي نجاد»، ولموسوي وكروبي ولحرية المعتقلين السياسيين، وغنوا «انه ربيع طهران هذا يومك يا ندى» إشارة الى الذين قتلهم «الحرس الثوري» إبان الموجة الخضراء، ونشيد الطلاب الإيرانيين «زميلي الدراسي» الذي راج في صفوف اليسار الإيراني بداية الثمانينات وإبان قمع الجامعات.
والحال أنه في سياق مناقض، ولإزاحة تأويل الانتخابات الرئاسية ونتائجها ودلالاتها عن معناها الفعلي، أصَّر المرشد السيد علي خامنئي خلال استقباله الجسم القضائي على تقديمها بوصفها برهاناً على «فشل مخططات الأعداء وأهدافهم على كل الصعد، وتجسيد الثقة العامة للشعب بالنظام الإسلامي ومنظمي الانتخابات والمشرفين عليها». واعتبر ان القضايا المهمة للانتخابات كانت «توفير الأمن المستديم باعتباره البنية التحتية للتطور والازدهار وصلابة الجمهورية الإسلامية واقتدارها في الدفاع عن مصالح الشعب».
لا شك في أن المرشد ومؤسسات النظام الأمنية والاستخباراتية، الطويلة الباع في رصد أحوال الإيرانيين، وفي تعقب مواقف شبيبتهم ونقابييهم ومعارضيهم وعقابهم، تعرف أن من استقطبتهم «الثورة الإسلامية» تحت راية «الحرية» تعيش غالبيتهم اليوم عملية انفكاك تاريخية عنها، وعن النموذج الذي قدمته، سرَّعها تزاوج العقوبات ونقص المداخيل وزيادة هدرها وتقليص التقديمات وتفاقم القمع والغرائبية واللبرلة الزبائنية خلال ولايتيْ احمدي نجاد. كما أن جمع المرشد وتلك المؤسسات بين اختيار «المرشحين المناسبين» وعدم التزوير كان لتفادي انفجار عمقي اكثر جذرية من 2009. بهذا المعنى فالمرشد كرأس لتيوقراطية تشميلية بأدوات «جمهورية» بحاجة لتحريف معنى انتخاب روحاني، بما يجعله مناسبة لإعادة شرعنة النظام بأقل الخسائر في أساسياته، بخاصة ولاية الفقيه، وتحكيمه بين مؤسساته وتوزيع النفوذ بين مراكزه ومشروع القوة الإقليمية الأعظم. في هذا التنازع المفتوح على توظيف نجاح روحاني داخلياً وخارجياً، يبدو انخراط الإيرانيين المتجدد في الشأن العام، عنصر التفاؤل الأهم في امتحان منع هيمنة المرشد وآليات اشتغالها من مصادرته.
الحياة ـ٣٠ يونيو ٢٠١٣
![]()