اشكالية المشروع الاخواني ـ علي العبد الله

مقالات 0 admin

من دون الدخول في السجال الدائر الآن بين مؤيدي الاخوان المسلمين ومعارضيهم حول طبيعة ما تم في مصر: ثورة أم انقلاب عسكري؟، فان القضية التي يجب ان تثير الاهتمام والدرس هي ما الذي استفز ملايين المصريين ودفعهم الى النزول الى الشوارع( قدر عدد المتظاهرين في كل المحافظات بين 17- 20 مليون متظاهر) للتعبير عن رفضهم لحكم الاخوان المسلمين أهو فشل الحكم في حل مشكلات معيشية وخدمية أم “أخونة” الدولة، أم الاثنين معا ؟.

اعتقد ان الفشل المدوي في حل مشكلات معيشية وخدمية ضاغطة وتسارع عملية “اخونة” الدولة، مع بروز نزعة استعلائية فجة بين صفوف قيادة الاخوان المسلمين في تعاطيهم مع شكاوي المواطنين واستخفافهم بمعاناتهم من هذه المشكلات، أثار هواجس ومخاوف المجتمع ودفعه الى مواجهة تسلط قادم قبل ان يتمكن من بسط هيمنته وسيطرته على الدولة بالكامل.

تواجه “الجماعة” اشكالية كبيرة على خلفية التناقض بين تطابق منطلقها الاسلامي مع عقيدة المجتمع وتدينه بشكل عام، ما يمنحها فرصة كبيرة للتواصل والتحشيد وكسب أغلبية، وبرنامجها العقائدي(الأخونة) مع الاسلام الشعبي المنفتح والمتسامح والعملي، وأساس الاشكالية فلسفة الحكم الاخوانية القائمة على: المصدر الالهي(الله اعلم بما ينفع عباده) والإسلام هو الحل( لن يصلح حاضر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها)وجاذبية السلطة (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، ناهيك عن وجود تيار يكفر الدولة والمجتمع(القطبيون ورمزهم الحالي خيرت الشاطر)لاعتبارات تتعلق بمصدر الشرعية والقواعد الناظمة للحكم والتصرف اليومي، والتعاطي مع الديمقراطية كآلية من مرحلة واحدة(الانتخابات) والتصرف بعدها دون رقيب او حسيب. مرتكزات تؤشر الى حكم تسلطي يتعارض مع النظام الديمقراطي بالمطلق. وقد سبق للجماعة، في سياق حراكها السياسي، وضع مشروع برنامج لحزب للإخوان المسلمين في مصر 25/8/2007، قالت:”إنها ستشكله”، ووزعته على عدد محدود من الباحثين والمعلقين والنقاد المصريين(56 شخصا)لإبداء الرأي، قبل ان تنشره على شبكة “إسلام أون لاين” يوم 26/8/2007، جوهره اقامة دولة دينية حيث جاء في المشروع:”يجب على السلطة التشريعية أن تطلب رأي هيئة من كبار علماء الدين في الأمة، على أن تكون منتخبة ايضاً انتخاباً حراً ومباشراً من علماء الدين ومستقلة استقلالا تاما وحقيقيا عن السلطة التنفيذية في كل شؤونها الفنية والمالية والإدارية، ويعاونها لجان ومستشارون من ذوي الخبرة وأهل العلم الأكفاء في سائر التخصصات العلمية الدنيوية الموثوق بحياديتهم وأمانتهم، ويسري ذلك على رئيس الجمهورية عند إصداره قرارات بقوة القانون في غيبة السلطة التشريعية، ورأي هذه الهيئة يمثل الرأي الراجح المتفق مع المصلحة العامة في الظروف المحيطة بالموضوع، ويكون للسلطة التشريعية، في غير الأحكام الشرعية القطعية المستندة إلى نصوص قطعية الثبوت والدلالة، القرار النهائي بالتصويت بالأغلبية المطلقة على رأي الهيئة، ولها أن تراجع الهيئة الدينية بإبداء وجهة نظرها في ما تراه أقرب إلى تحقيق المصلحة العامة، قبل قرارها النهائي. ويتم، بقانون، تحديد مواصفات علماء الدين الذين يحق لهم انتخاب هيئة كبار العلماء والشروط التي يجب أن تتوافر في أعضاء الهيئة”. وقد انعكس هذا التوجه في مشروع النهضة الذي طرحه حزب الحرية والعدالة، وتسرب الى مواد الدستور الجديد الذي اعدته لجنة هيمن عليها التيار الاسلامي بشقيه الإخواني والسلفي، كما في علاقة الرئاسة بالمرشد والتعيينات في المؤسسات والإدارات الرسمية وخاصة المحافظين.

كما تبنى “المشروع السياسي لسورية المستقبل”، الذي طرحته حركة الإخوان المسلمين في سوريا عام 2004، عدة فرضيات ومنطلقات منهجية متعارضة فهو يتبنى “الدولة الحديثة” ويلحق بالدولة التي يريد اقامتها صفة إسلامية، ويقيد حركتها ومستقبلها بما يسميه “ثوابت الأمة”. في حين ان اساس “الدولة الحديثة” الحياد العقائدي، وهذا واضح في سماتها: المواطنة، التعددية، التمثيلية، التداولية، والسعي الى لعب دور يتسق مع طبيعتها تلك بعدم تبني سمة عقائدية محددة، والوقوف على مسافة واحدة من كل العقائد التي تتصارع على كسب الناس والسلطة، وتترك تبني سمة عقائدية، وبشكل نسبي أيضا، للسلطة التي تجسدها الوزارة، فالوزارة يمكن أن تكون اشتراكية أو ليبرالية أو ديمقراطية أو اسلامية. كما كسر “المشروع” اتساقه وطعن في مصداقيته حين دعا إلى ما أسماه “صون المرأة”. وهذا يتعارض، وبشكل جوهري، مع سمة المواطنة التي اعتبرها من سمات الدولة التي يتبناها، فصون المرأة يحيل إلى جهة تقوم بفعل الصون(الرجال) وجهة يقع عليها الصون(النساء)، وما يعكسه هذا من ثنائية تفوق/دونية. ناهيك عن تصور “المشروع” للأهداف وطرق تنفيذها حيث ينطوي على نزعة تدخلية تذكرنا بالأنظمة الشمولية البائدة( النازية والفاشية والشيوعية والاشتراكية والناصرية والبعثية).

غير أن الملاحظة الأهم هي تلك الانتكاسة التي أثارتها مواقف قيادة حركة الإخوان المسلمين في سوريا حين أعلنت تأييدها لمشروع برنامج حزب حركة الإخوان المسلمين في مصر، والتي كشفت عن عمق التباين بين المواقف النظرية والمواقف العملية، فقد أعلنت قيادة حركة الإخوان المسلمين في سوريا عن تأييدها للمشروع قائلة: “إن حركة الإخوان في مصر قد شاورتها بالمشروع قبل إعلانه للرأي العام”، فهي بذلك تعود إلى ما قبل التطويرات التي قدمتها، على تواضعها، في مشروعها السياسي المذكور أعلاه.

لقد سبق لحركة الإخوان المسلمين في سوريا وتبنت في مشروع “الميثاق الوطني في سوريا” (صدر في25/8/2002) ما أسمته “الإنجازات العالمية الكبرى” كمحدد ثالث لرؤيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذه تتجسد في العلم والخبرة والإبداع الذي عرفه التطور الإنساني والذي نستطيع أن ننهل منه ونقتدي به للنهوض من عثارنا وتخليص حياتنا مما شابها من عوارض الوهن والترهل والفساد في عصور الانحطاط والضعف، وتوسيع وتعميق نظرتنا إلى الكون والحياة. وكان بإمكان الحركة تفعيل هذا المعطى لكنها فضلت الانحياز الى صف التقليد والماضي وضيعت فرصة كبيرة بوقوفها إلى جانب حركة إخوان مصر لاعتبارات حزبية أو مصلحية.

 الاربعاء 10/07/2013, المدن

Loading

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة