اللجنة الدستورية ما بين الهزيمة والنصر

أخيراً وبعد تعسر سنتين أعلنت الأمم المتحدة عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية المؤلفة من ١٥٠ عضواً، والتي انقسمت لثلاث أقسام، ثلث للنظام وثلث للمعارضة وثلث للمجتمع المدني حيث قامت الأمم المتحدة نفسها بتسمية أعضائه الخمسين.
وكعادته انقسم الشارع المعارض بالموقف اتجاه اللجنة الدستورية، بين مؤيد ومتحمس وحتى قد يراها نصراً – كما جاء في تصريح رئيس هيئة التفاوض نصر الحريري- وقد يراها خطوة في اتجاه النصر وإزالة حكم الأسد، وبين من يتناولها بعقلانية، ما لها وما عليها، وبين رافض يعتبرها استسلاماً وإذعاناً وإعادة تأهيل لحكم الأسد. وسنحاول في افتتاحيتنا هذه مناقشة كل هذه الآراء.
قبل البدء بنقاش الآراء نرى لزاماً علينا أن نحاول رؤية الصورة العامة للوضع السوري حالياً، فلا يمكن نقاش موضوع اللجنة بمعرض عن الظرف المحيط، فالمعارضة الآن تمر بوقت حرج جداً، الأسد قد استعاد السيطرة على مساحات واسعة، وحُصرت المعارضة المسلحة في ادلب وريفها، التي تتعرض لهجمة عسكرية شرسة يجعل بقاءها خارج سيطرة الأسد غير مؤكد، و جلب الاعتماد على الحلف التركي نتائج كارثية، فهذا الحليف قد أصبح أحد ثلاث دول ضامنة لاتفاقات أستانه وسوتشي، والتي كان أحد مخرجاتها اللجنة الدستورية، هذا الحليف الذي دفعته مصالحه الى التركيز على إبعاد الكرد عن حدوده، ولأجل ذلك يعيد رسم تحالفاته ومواقفه السياسية من القضية السورية.
منذ أن تعسكرت الثورة -وإن كانت مرغمة- وتأسلمت، وجدت المعارضة الديمقراطية والسياسية نفسها بعيدة عن التأثير السياسي والفعل، وبالخسارة العسكرية التي منيت بها هذه المعارضة المسلحة، أمست المعارضة بكل أشكالها السياسية أو العسكرية بأضعف حالاتها، والتي نراها غالباً مرتهنة للمول أو تابعة للحليف الداعم.
ومن نافل القول أن هناك ثلث مساحة سوريا مسيطر عليها من ”قسد“ بدعم من التحالف الغربي، وذلك بعد تحريرها من داعش، وهي الفرصة التي كانت قد اضاعتها المعارضة والتي كان ممكن لو اندرجت بها أن سيطرت هي على هذه المساحة. بينما تواجه مناطق سيطرة المعارضة اليوم إشكالية وجود ”النصرة“ وسيطرتها، والتي لا يقبل بها المجتمع الدولي، والتي لا حل واضح لها حتى الآن.
المجتمع الدولي الذي ما يزال ضد إعادة سيطرة الأسد وتأهيله، ولكنه بات يرى أن الأولوية الآن هو لكتابة دستور لسوريا القادمة، يضمن من خلالها شكل الدولة القادمة قبل المضي بالحل السياسي، وبهذا فهو قد تبنى أحد أهم مخرجات سوتشي وهو تشكيل اللجنة الدستورية وعمل عليها.
بالعودة لنقاش الآراء، ففريق من المعارضين يرى أن تشكيل اللجنة الدستورية نصراً، وليس فقط تقدماً ملموساً في مسيرة الحل السياسي المطروح من الأمم المتحدة، أو على الأقل يرى أنه سيحصل من خلال اللجنة الدستورية على ما عجزنا حتى الآن من تحصيله بالعسكرة أو بالسياسة، وسيسقط نظام الأسد حال كتابة الدستور، متناسياً أن الموضوع ليس فقط كتابة هذا الدستور وانما أساساً ضمان آليات تطبيقه، والذي هو المحفوف بالمخاطر ان لم يكن مستحيلاً في ظل استمرار نظام كنظام الأسد.
بالطرف المقابل هناك فريق يرى أن الاشتراك باللجنة الدستورية خيانةً، وأن السوريون لم يكن الدستور مشكلتهم الاساس مع نظام الأسد، وأنهم ثاروا من أجل الحرية والكرامة وإسقاط نظام الأسد وليس من أجل تعديلات أو إصلاحات دستورية، متناسين أن أحد مشاكل السوريين الهامة كانت الدستور، الدستور الذي صاغه الأسد تفصيلاً على مقاسه، والذي أعطى رئيس الجمهورية صلاحيات تجعله نصف إله، وإن النكتة المتداولة حول الدستور الذي أكله الحمار تمثل الواقع, وأن المشكلة في الحمار وليس في الدستور، ولكن تغيير الحمار وحده أيضاً لن يحمي الدستور من أن يؤكل مرة ثانية, مالم تسطّر المواد المانعة لتغوّل السلطة في متن الدستور أيضاً.
ما بين الرأيين المتقابلين مروحة عريضة من الآراء والمواقف اتجاه اللجنة الدستورية. فالبعض يرى أنها وضع للعربة أمام الحصان، وأنه يجب البدء بحكومة انتقالية تشكل هي اللجنة الدستورية، وهو رأي صحيح ولكنه للأسف فقد تجاوزه المجتمع الدولي اليوم، وبالتالي لم يعد خياراً مطروحاً علينا في ظل التوازنات المحلية والإقليمية والدولية. وأن رفض اللجنة الدستورية الآن لا يحمل بدائل ممكنة توقف رحى الحرب والموت الذي يلاحق السوريين، وهو لن يخفف من معاناة الشعب السوري، ولن يكون أكثر من موقف سياسي متطهر، وإن كان صحيحاً.
إن قبول اللجنة الدستورية لا يعني بأي حال القبول بنتائجها، بل يتطلب مراقبة دقيقة لعملها يمكننا من رفض هذا العمل وإيقافه عندما يكون غير مجدي، فكتابة الدستور والاستفتاء عليه وتطبيقه، يحتاج بيئة آمنة ومحايدة، وضمان حماية المدنيين، وإفراج عن معتقلي الرأي وضمان عدم الاعتقال مستقبلاً، كي نستطيع انتاج دستور حديث وعسير على الهضم كي لا يأكله أي حمار مرة أخرى. فالقبول بالممكن حسب التوازنات القائمة، لا يعني الاستكانة، وإنما يجب المحاولة الدؤوبة والحثيثة للتغير والاستفادة قدر الإمكان وتحقيق أفضل المكاسب، وأيضاً تقليل الخسائر ما أمكن.
وبناء عليه فإنه من المطلوب ممن هم/ن في اللجنة الدستورية النضال لتحقيق أفضل ما يمكن تحقيقه من مطالب الشعب السوري المحقة وعدم التفريط بها. ولن تجدي لغة التخوين والتهويش، ولكن علينا المراقبة الحثيثة واستمرار النقد والتقويم وربما الرفض عندما يلزم.
تيار مواطنة – مكتب الاعلام
٢٩-٠٩-٢٠١٩
![]()