الورقة السياسية لتيار مواطنة- 20 أيلول/ سبتمبر 2025

مقدمة تاريخية:
من المعتقد أنه ليس من الضروري الاستفاضة في الخراب الكارثي الراهن في سورية في كل الحقول بدءاً من الحقل السياسي وانتهاءً بالحقل الثقافي وحتى اللغوي- أي حقل اللغة المستخدمة في الصراع السياسي بشكل خاص- وسوف نأتي على ذلك باختصار شريطة ألا يؤذي المعنى المطلوب والوضوح الضروري فيما يتعلق بكل الحقول بما في ذلك المخارج النظرية أو المحتملة واقعياً ولنبدأ بالقول:
إن أسوأ عناصر الخراب المذكور هو الكارثة الطائفية الماثلة، وإن شئتم الكابوس الطائفي الجاثم على العقول والقلوب والممارسة ليس في الحقل السياسي فقط، بل في سائر الحقول بشكل عام والحقل الاجتماعي بشكل خاص.
يمكن القول أيضاً: يميل معظم- وليس كل الفاعلين سياسياً وثقافياً- إلى اعتبار سلطة الأسدين هي ولّادة هذا الكابوس، ويترافق ذلك مع خطاب إنشائي عن الوحدة الشعبية السورية العظيمة قبل السلطة البائدة. والحال أن إن الأمر بخلاف ذلك طيلة التاريخ السوري بدءاً من عام 1920 م وحتى الآن باستثناء المرحلة الممتدة من 1936 م إلى بداية السبعينيات من القرن المنصرم ومع ذلك فحتى هذه المرحلة يمكن القول عنها دون مغالطة: إنها مرحلة ليست في حالة انسياب، بل يمكن تقسيمها إلى فترات متعددة أهمها من حيث الإيجاب المرحلة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى بداية السبعينيات كما قلنا ومع ذلك فحتى هذه الفترة أحاق بها عطب شديد بدءاً من انقلاب آذار 1963 م وحتى انقلاب 16 تشرين الثاني 1970 م مروراً بـ انقلاب 23 شباط 1966 م وهزيمة حزيران 1967 م.
الآن إذا دخلنا في التفاصيل فلقد كان لما ذكرناه آثار سلبية جداً على فترة المدّ القومي اليساري الذي أعقب الحرب العالمية الثانية وبخاصة الانقلاب الأخير عام 1970 م، وما دمنا بهذا الصدد بوسعنا القول: لقد فاقم الأسد الأب المسألة الطائفية التي تصاعدت كما قلنا منذ انقلاب 8 آذار 1963 وحتى الآن بنقله هذه المسألة بشكل سافر من الحقل الاجتماعي الثقافي إلى سائر الحقول؛ أي الحقل السياسي والعسكري والأمني والإداري وحقل البعثات العلمية وحتى الحقل الاقتصادي- على النقيض مما يقوله بعض المحللين استناداً إلى ما يروى عن الأسد الأب أنه قال: السياسة لنا والاقتصاد لكم، أي الفعاليات الاقتصادية في دمشق وحلب وسائر المدن السورية الأساسية.
لقد أصبحت معظم الحقول السابقة مسيطر عليها من قبل حكومة الحزب الواحد وبخاصة من قبل أفراد ينتمون إلى الطائفة العلوية- وليس كما يقول بعضهم الطائفة الأسدية- وحتى أولئك الذين يوافقون على التسمية الأولى يجدون دزينة من الحجج والذرائع للوضع الذي آلت إليه سورية انطلاقاً من فقر جبال الساحل وانتهاء بما يسمونه المؤامرة الأسدية التي تعمدت ترك الساحل بدون مصانع ومداخل رزق خارج نطاق المؤسسة العسكرية والأمنية والإدارية.. إلخ. وكأن سلطة الأسد جعلت من المناطق الأخرى مانشستر سورية، أو كأن المواطنين الآخرين خارج الطائفة العلوية لا يرغبون في العمل من داخل الحقول المذكورة.
ليس هذا فقط، بل إننا نعتقد أنه ليس من نافل القول أن نشير إلى المجازر الوحشية التي ارتكبتها سلطة الأسد في العشرية السوداء من تاريخ سورية التي تمتد من النصف الثاني من السبعينيات إلى النصف الثاني من الثمانينيات وبخاصة خلال الفترة الأخيرة- نترك جانباً الآن ما حصل من أحداث في النصف الأول من الستينيات في حماه وغيرها- وللحقيقة التاريخية نقول إن مثل هذه المجازر بل أبشع منها قد ارتكب في التاريخ على أسس طبقية وقومية ودينية وحتى ما ارتكبته سلطة الأسد يعود في جزء منه إلى (هذا الأساس) على الرغم من أن الطابع العام يحيل إلى البعد الطائفي البغيض بطرفيه أي بمن قام به ومن وقع عليه.
بدءاً من مجزرة سجن تدمر في حزيران 1980 وصولاً إلى مجزرة حماه المرعبة 1982 مروراً بكل المجازر الأخرى في جسر الشغور والمشارقة في حلب وفيما يتعلق أيضاً بإعدامات سجن تدمر الجحيم والتي طالت مالا يقل عن 8000 بين عامي 1980و1987 م. ولا يخرج عن السياق السابق ما جرى من مجزرة معاكسة من قبل ضابط بعثي سني عام 1979 م في مدرسة المدفعية في حلب ضد طلاب ضباط من الطائفة العلوية حصراً، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى الطابع الطائفي المقيت للفعل وردود الفعل في سورية في ظل حكم الأسدين. ليس في سياق العشرية السوداء التي أتينا على ذكرها بل وبشكل أكثر وضوحاً وحقداً ووحشية في سياق ما جرى خلال /14/ عاماً بدءاً من 2011 وانتهاء بـ 2024، ومادام الجميع تقريباً قد عاش هذا السياق فلا حاجة لذكر التفاصيل المعروفة جيداً والتي لم يكن من شأنها إلا أن تزيد من تعميق الشرخ الطائفي بحيث يصح القول: إنه تحول إلى هوة طائفية نقطف ثمارها اليوم- كما قطفناها سابقاً- في الممارسة الطائفية والطائفية المضادة البغيضة.
ربّ قائل لماذا هذا الاهتمام بهذا البعد للسلوك الطائفي في سورية، والجواب بسيط للغاية: من أجل فهم أفضل لما يجري، بل لما يمكن أن يجري في سياق الكارثة الطائفية الراهنة والخراب العميق المترتب عليها، وحجم الاحتقان والحقد والكره الناتج عنها بما في ذلك حجم الردود الطائفية القائمة الآن والآثار التي يمكن أن تنتج عنها وعلى الإجماع الوطني والمجتمع بشكل عام.
قد تكون هذه المقدمة ضرورية وقد لا تكون وفي كل الأحوال يبقى ما قلناه أعلاه حول أهميتها في فهم الانقسام العمودي في المجتمع السوري الذي يسبق بكثير آذار 2011 م إلى كانون الأول 2024 م وما بعد وللتدليل على ذلك نضرب المثال البسيط التالي الذي يردده كثيرون بوصفه دلالة قاطعة على وحدة الشعب السوري وهو الشعار النبيل الذي ردده المتظاهرون في ربيع سورية والذي يقول: واحد، واحد، واحد الشعب السوري واحد!
إن تيار مواطنة يرى- على النقيض مما يريد المستشهدون بهذا الشعار- إن هذا الشعار يدل على استشعار المتظاهرين أن الشعب السوري ليس كذلك ولذا فهم يريدونه أن يكون كذلك ويسعون بكل قوتهم إلى هذا الهدف، لأنه لو كان الشعب السوري واحداً لما كنا بحاجة إلى مثل هذا الشعار.
ولمن يهوى السجال نقول: أعطنا ربيعاً عربياً آخر ردد المتظاهرون فيه مثل هذا الشعار كأن يَقال مثلاً: واحد، واحد، واحد الشعب المصري واحد، أو واحد، واحد، واحد الشعب التونسي واحد!
إن تيار مواطنة إذ ينظر للأمر بهذا الشكل فإنه يعلم علم اليقين من أن أصحاب هذا الشعار في الشارع وأصحاب شعار الوحدة السورية العظيمة من المثقفين والفاعلين السياسيين ينطلقون من أعمق النوايا الحسنة والإرادة العامة النبيلة، ولكن ما العمل والحال لا يتطابق مع هاتين الإرادة والنوايا، وقديماً قيل: إن الطريق إلى الجحيم مبلط بالنوايا الطيبة. وهل يشكل المآل الذي انتهت إليه الانتفاضة السورية دليلاً يمكن الركون إليه في تفسير الوضع السوري على حقيقته سابقاً والآن؟
ربّ قائل- وهم كثر- إن ردّ فعل السلطة القائم على العنف العاري والوحشي والاستبداد والاحتكار هو السبب فيما وصلنا إليه.
إن هناك الكثير من الصواب في القول السابق ولكن السؤال المطروح لماذا كان هذا الاحتكار والاستبداد والعنف العاري فيه ما يكفي أيضاً من البعد الطائفي البغيض سواءً أكان فيمن قام به أو وقع عليه فيما سبق والآن؟
نترك الجواب لأصحاب العقول والضمائر النيرة وهم كثر على النقيض مما تقوله سجالات اليوم القائمة على النرجسية الفردية والفئوية والجمعية وإنكار الآخر واعتبار الناس والفاعلين والسياسيين قطيعاً من الدهماء والمنافقين والانتهازيين، فيما يعود تحديد طبيعة هذا القطيع إلى موقف المساجل نفسه من السلطتين البائدة والراهنة وطبقاً للقاعدة الاجتماعية لكلتا السلطتين.
لاحقاً لهذه المقدمة ننتقل إلى تحديد الحقول التي يتجسد فيها ما أسميناه الخراب الطائفي الكارثي والاستبداد والاحتكار، والسجالات الفكرية والسياسية وبخاصة تلك العقيمة منها. وفي هذا الصدد يعتقد تيار مواطنة أن ما ذكرناه يتجسد فيما يلي:
- في الحقل السياسي بفروعه كافة؛ أي في حقل الدولة والسلطة والمعارضة والفكر السياسي والممارسة السياسية بشكل عام حيث لا يخفى على المراقب الموضوعي ضرورة إعادة بناء هذا الحقل جذرياً بدءاً من:
أولاً- حقل الدولة: ليس هناك دولة في سورية بالمعني الحديث للدولة وهو معنى معروف لكل ناشط مدني أو سياسي، كما نزعم أن بنية الدولة وعناصرها المؤسسة المعروفة أيضاً للجميع وبشكل خاص فيما يتعلق بالمواطنة المتساوية والحقوق العامة والفردية وآليات الحكم وتداول السلطة.. إلخ وبخاصة فيما يتعلق بالديمقراطية والقانون الوضعي. أما فيما يتعلق بالسلطة اليوم فهي ليست أكثر من سلطة الأمر الواقع، ليس هذا فحسب، بل هي استناداً إلى مؤتمر النصر ومؤتمرها الوطني الشكلي وإعلانها الدستوري وعسكرها- ولا نقول جيشها أبداً- وممارستها في كل الحقول نقول للقاصي والداني إنها سلطة شديدة الاستبداد والمركزية والاستفراد إلى حدّ الشخصنة الفاقعة، وهي بهذا المعنى لا تمت بصلة إلى المعنى المشار إليه للدولة والسلطة الناشئة عنها. وهي في أحسن الأحوال كما قلنا سلطة أمر واقع بالسمات السابقة سواءً أكانت شيوعية أم قومية أم علمانية فكيف إذا كانت إسلامية وهي كذلك، لقد عرف التاريخ هذا النمط من السلطة بل إنه كان الغالب فيما سميّ العالمين الثاني والثالث بعد الحرب العالمية الثانية.
وهذا الرأي ليس موضوعاً للاستغراب وهو قائم على ما يكفي من الوقائع العنيدة بل من إعلانات الشخصيات المقررة في هذه السلطة التي تقوم في جوهرها على قاعدة من يحرر يقرر- وهو ما تؤكده هذه السلطة- مع بعض الذرائع والمسوغات- ناهيك عن طبيعة الحكومة والإدارة والقضاء والتشريع والعسكر والممارسة.. إلخ
إن تيار مواطنة يقول لأصحاب القول “من يحرر يقرر”: إن ما تفعلونه ليس سبقاً في التاريخ بل لقد سُبِقتم إليه، ولذلك بدلاً من الاستقواء به فلتنظروا بعيون وعقل وضمائر مفتوحة إلى الحائط التاريخي الذي وصل إليه من سبقكم على هذه القاعدة بدءاً من ستالين وحتى بول بوت مروراً بماو تسي تونغ وكيم إيل سونغ وكل الانقلابات القومية ذات الطابع اليساري أو القومية الصرف أو الدينية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بدءاً من خوان بيرون في الأرجنتين وحتى سوكارنو في أندونيسيا مروراً بنكروما وسيكوتوري وبو ميدين والقذافي وعبد الناصر والبعث في سورية والعراق واليمن الشمالي والجنوبي والحركات الثورية في أفريقيا.. إلخ ومن الانصاف أن نستثني هنا ما آل إليه حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بزعامة نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا وحركة الساندينيست في نيكاراغوا وبعض الشخصيات والحركات القليلة جداً الأخرى.
ومادام الأمر كذلك فإننا نقول لهذه السلطة: فكروا ملياً قبل وقوع المحظور، وقبل الاصطدام بحائط التاريخ والواقع. هذا الحائط الذي يعلمنا أن الأيديولوجيات الثلاث- في الاتجاه العام- الطبقية اليسارية والقومية والدينية الإسلامية لم تستطع أن تقدم نموذجاً يحتذى في مسألة الدولة، بمعنى دولة العموم والمواطنة المتساوية والحقوق والحريات العامة والفردية والديمقراطية.. إلخ وإذا كانت قد قدمت شيئاً- ووهي أو بعضها قدم- فإنه في حقول أخرى لسنا بصددها الآن ولمّا كان الأمر كذلك فإن سلطة الأمر الواقع في سورية في بنيتها ونواظمها وممارستها لا تخرج عن الإطار المذكور حتى لو كانت شيوعية أو قومية أو عائلية أو علمانية فما بالك وهي سلطة إسلامية ضاربة الجذور في الأصولية والمحافظة بالإضافة إلى البعد الطائفي المعشش في العقول والقلوب والذي يزيد في الطين بلّة، ليس هذا فحسب بل إن الممارسة الوحشية ضد الإنسانية التي ارتكبت في الساحل وجبل حوران والانتهاكات المتكررة والمتنوعة التي ارتكبت في مناطق أخرى في سورية بخاصة في وسط سورية وفي مقدمتها حمص- نقول إن هذه الممارسة التي تفقأ العين سواءً أكانت بفعل المركز السلطوي أو بعجزه أو بتواطئه لتصريف بعض الاحتقان الطائفي الذي يخلق احتقاناً طائفياً على الخندق الآخر ناهيك عن طبيعة الفعل ذاته الذي من المرجح أن يصنّف كما قلنا أعلاه في خانة جرائم ضد الإنسانية إن لم نقل أكثر من ذلك.
ولأن الامر كذلك وبدون المزيد من الدلائل فإن حقل الدولة وكل ما يتفرع عنه بحاجة اليوم- على النقيض من قاعدة من يحرر يقرر- والرومانسية الثورية الفكرية والسياسية المضادة التي لا تريد أن ترى إلا المثال الأعلى- نقول بحاجة اليوم للانطلاق من الواقع الملموس لسورية، فالتاريخ الذي هو المعلم الأكبر يشير إلى أن كل الأوطان والشعوب في حال الأزمة الوجودية بل في حال أقل من ذلك كأن تكون هنالك أزمة داخلية أو خارجية أو الاثنتين معاً- نقول: التاريخ يشير إلى ضرورة الذهاب إلى حكومة وحدة وطنية بعيداً عن الاستفراد والمركزة والاستبداد والشخصنة. والحكومة التي نقصدها لا تختلف في الجوهر عن هيئة الحكم الانتقالي ذات المصداقية التي نصّ عليها القرار الأممي /2254/ الصادر في كانون الأول عام 2015 م والذي يعني في جوهره وروحه انحلال سلطة الأمر الواقع عملياً قديماً والآن والذهاب نحو سلطة تختلف عنها جذرياً تتوج المرحلة الانتقالية التي لا تتجاوز ثلث هذه المرحلة التي نصت عليها سلطة الأمر الواقع بـ /5/ سنوات.
ولما كانت سورية غير أفغانستان على لسان رأس السلطة القائمة فإننا نعتقد أن وضع هذا الأمر موضع التطبيق يقتضي تحقيق ما أشرنا إليه أعلاه والذي يمكن- وربما يجب- أن يمر بالمقترحات التالية:
- الدعوة إلى مؤتمر وطني يستحق اسمه ويختلف جذرياً عما سبق ونكتفي بعبارة يستحق اسمه للدلالة على هذا المؤتمر بنية وزمناً ومهمات وطريقة تشكيل بحيث يصح القول: إن هذا المؤتمر الذي هو سيّد نفسه سوف يكون زمنه مفتوحاً إلى حين إنجاز المهام التي ينبغي أن يتنطح لها والذي- أي الزمن- يمكن أن يستغرق حوالي /3/ شهور وهذه المهام التي نرجح أن تتجسد فيما يلي:
ب- صياغة إعلان دستوري جديد ديمقراطي بعيد كلّ البعد عن الإعلان الراهن في مفهوم الدولة والسلطات الثلاث وعلى رأسها السلطة التنفيذية والحقوق والواجبات والحريات العامة والفردية.. إلخ
جـ- أنهاء العمل بالقرارات السابقة التي اتخذتها السلطة الراهنة بدءاً من مؤتمر النصر والمؤتمر الوطني والإعلان الدستوري وصولاً إلى مسألة الجيش الوطني والاستعاضة عما هو قائم من العسكر بجيش وطني محترف بعقيدة وطنية سورية حصراً وببنية سورية فعلاً الأمر الذي يستدعي التركيز على جنود وصف الضباط والضباط المنشقين عن السلطة البائدة مع التجنيد الإلزامي لأن إلغاءه والذهاب إلى التطوع قد يكون له آثار سلبية على بنية هذا الجيش الذي قد يكون من لون واحد مع بعض الترقيعات التطوعية.
د- إلغاء منصب رئاسة الجمهورية والاستعاضة عنه بهيئة الحكم الانتقالي المنصوص عنها في القرار 2254 أو مجلس رئاسي في حال الذهاب إلى حكومة وحدة وطنية وليس من العسير تصور كيف يمكن أن يتم ذلك بكل ديمقراطية.
هـ- إلغاء منصب وزير الدفاع وتشكيل مجلس عسكري يقوم بالمهام المنوطة بالمنصب المذكور.
و- تشكيل مجلس قضاء أعلى.
ز- تشكيل محكمة دستورية عليا يناط بها ما يناط عادة بمثل هكذا محكمة في كل زمان ومكان وفي كل الأحوال لا ينقص سورية من الخبراء القانونيين الشرفاء الذين سوف يملؤون المناصب السابقة.
ح- إلغاء ما يسمى انتخابات مجلس الشعب المفترضة في هذا الشهر لأنها لا تمت بصلة حقيقية للانتخابات وهي ليست أكثر من تعيين عبر شكلين؛ مباشر وغير مباشر.
ط- إصدار قانون أحزاب عصري بوصفه أحد مهام المؤتمر الوطني العام المنشود.
ك- إعادة تشكيل كل اللجان والهيئات المتعلقة بالسلم الأهلي والمفقودين والعدالة الانتقالية المتعلقة بجرائم السلطة البائدة والجرائم قبل 8 كانون اول، والعدالة المباشرة فيما حصل بعد /8/ كانون الأول 2024 م.
ل- انتخاب جمعية تأسيسية عبر المؤتمر الوطني ومن خلاله ومن خارجه عند الاقتضاء لوضع دستور جديد على قاعدة التمثيل الحقيقي للشعب السوري الذي سيقوم لاحقاً بالاستفتاء عليه وإقراره في نهاية المرحلة الانتقالية التي نعتقد أن من المناسب ألا تزيد عن سنتين حيث يجب أن يتم بعد ذلك انتخاب مجلس شعب دائم ورئيس جمهورية أيضاً عبر عملية حرة ونزيهة طبقاً لإجراءات كفيلة بأن يكون تحقيق ذلك ممكناً قولاً وفعلاً.
م- إعادة بناء الحقل الاجتماعي- السياسي والذي من الممكن أن يقوم على ميثاق شرف وقوانين تترجمه بمثابة مركز إعادة البناء هذه ولا يعجز الخبراء والقانونيون والسياسيون والمثقفون عن إنجاز ذلك. والذي قد يكون من عناصره:
- تجريم الخطاب الطائفي والتحريض عليه والحشد والتجييش سواءً أكان صادراً عن فرد أو مجموعة أو حزب أو جمعية أو سلطة أو أي كيان آخر.
- الإفساح في المجال أمام منظمات المجتمع المدني على اختلاف بناها ومهامها للإسهام في إعادة بناء سورية وبشكل خاص الحقل المذكور وهذا يستدعي منحها الوضع القانوني والاستقلالية والدعم التام مادياً ومعنوياً.
- التركيز على الأجيال الصاعدة من النساء والرجال والشباب منهم بشكل خاص.
- وضع قيود على الخطاب القائم على تخوين الآخر وطنياً وبخاصة التخوين الجمعي أياً يكن مصدره فرداً أم حزباً أم جمعية أم مؤسسة مدنية أم رسمية.
- جنباً إلى جنب العدالة الانتقالية تشكيل لجان تحقيق تستحق اسمها بنصاب مشترك وطني ودولي وعلى الأقل بإشراف دولي للتحقيق في ما جرى في سورية مؤخراً وبشكل خاص في السويداء والساحل ونحن نرجح في هذه الحالة أن تصنف الأعمال الوحشية التي وقعت تحت مسمى جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب وعدم الاكتفاء باعتبارها أحداثاُ دامية أو انتهاكات جسيمة بما في ذلك بشكل خاص تحديد المسؤولين وتحويلهم إلى القضاء المستقل المختص، وما دمنا بهذا الصدد فإننا نشير إلى أنه قد مضى ما يقارب الشهرين على صدور تقرير لجنة التحقيق السورية في الساحل ولكننا لم نشهد حتى الآن وضعه موضع التطبيق.
- وفيما يتعلق بالسلم الأهلي الذي يستحق الاهتمام الشديد فإنه يعاني من سلبيات هائلة تقوم ليس على الحقد والكراهية والعصبية الطائفية فقط بل وعلى أمراض أخرى قاتلة منها على سبيل المثال فقدان الثقة وطغيان الشك والخوف، وفقدان الأمل وليس هناك ما يشير على الأقل على تراجع هذه السلبيات وبالإضافة إلى ما ذكرناه أعلاه في الحقل السياسي الاجتماعي من إجراءات فإن من الضروري ضرورة مطلقة أن يتطابق القول والفعل في خطاب السلطة، حيث لا معنى يذكر للخطاب الإنشائي في ظل الأمراض والسلبيات التي أشرنا إليها في سورية الراهنة، كما يجب ما دمنا بهذا الصدد- إعادة بناء كل الحقول السياسية والاجتماعية والقانونية والثقافية وحتى اللغوية كما ذكرنا من قبل.
في سياق إعادة بناء الحقلين الاجتماعي والسياسي- داخل وخارج الدولة والسلطة- يمكن الانطلاق من مفهوم الأزمة المؤسِّسة- بكسر السين الأولى- والمقصود كيفية العمل لجعل الأزمة الكارثة التي نعاني منها قاعدة انطلاق للبناء- وليس للهدم- وهنا عقدة العقد فكيف نجعل من السلب مطية للإيجاب، ومن الانقسام مطية للوحدة الوطنية ومن التعالي على الجراح المفتوحة سابقاً واليوم الطريق إلى التعافي مهما تكن هذه الطريق وعرة ومهما تكن البداية متعثرة ومهما تبدو لنا اليوم وللوهلة الأولى أنها من شبه المحال إن لم نقل أكثر من ذلك.
ثانياً- على الصعيد الاقتصادي: من الواجب الذي لا يخفى على أحد ذي عقل ضرورة بنائه بالتأكيد هو الآخر وإن يكن من منظور تيار مواطنة يأتي تالياً لأن السياسة هي الأولى، ولا تعدم سورية الخبراء والمستثمرين والعاملين الذين سوف يطلقون هذا الحقل على مداه في حال توفر المناخ السياسي الملائم ويرجح التيار أن ينطلق العمل من القطاع الإنتاجي في الصناعة والزراعة إذا أريد له النجاح الأمر الذي يعني بوضوح الصناعات والزراعات الاستراتيجية والذكية بعيداً عن الأعمال والمظاهر الفارهة ومن الضروري التوجه في هذه الحال إلى إعادة إعمار الخراب وتأهيل البينية التحتية بما يشجع ويسمح بعودة النازحين والمهجرين واللاجئين إلى بيوتهم، كما من الضروري التركيز على الورشات الصغيرة والحرف الضرورية التي من شأنها أن تشكل جنباً إلى جنب الاستثمارات الكبيرة سوق العمل الذي يوفر الفرص لكل ذي قوة عمل، وعلى هذا الصعيد ليس من العسير تفهم أن تكون قطاعات التجارة والسياحة والخدمات في المرتبة الثانية حتى لو كانت توفر بعض فرص العمل المهمة.
ثالثاً- ثمة صعيد آخر يجب إعادة بنائه- أو حتى بنائه إن لم يكن موجوداً في الأصل- وهو الصعيد الذي يدمج الفكر والثقافة والسياسة واللغة والممارسة ونحن نجد أن من المناسب أن نبدأ ببعض المقتطفات التي تناسب الفقرات التي نضعها تحت المجهر.
(إن واحداً من الأشياء التي تميز الديكتاتوريات الحديثة عن كثير من الديكتاتوريات في الماضي يكمن على وجه التحديد في حقيقة أن الديكتاتوريات الحديثة تنشأ من حركات جماهيرية وتقوم على قاعدة واسعة من الموافقة الشعبية، وأحد الأسباب التي توجب على الحكومة الديمقراطية أن تكون حكومة دستورية- كما أقر واضعو الدستور الأمريكي- هو ضرورة وضع قيود محددة على الإدارة سواء أكانت تلك الإدارة إرادة شخص واحد أو عدد قليل من الناس أو الكثير منهم. إن حكم الأغلبية الجامح- كما أدرك جون آدامز والعديد من معاصريه- يؤدي مباشرة نحو الاستبداد الجماعي، وإذا كانت الديمقراطية لا تعني شيئاً أكثر من إعطاء أغلبية الشعب كل ما تريده فلا يمكن عملياً تمييزها عن الفاشية.) من كتاب الأساس الأخلاقي للديمقراطية، تأليف جون هالوويل- ترجمة الدكتور حامد العبد ص 29.
إذا كان ما سبق يتحدث عن الأغلبية السياسية غير المقيدة فكيف الحال عندما تكون الأغلبية دينية أصولية؟ وفي حالتنا أصولية إسلامية مستبدة.
من المرجح أن التجارب التاريخية التي أتينا على ذكرها قبل قليل تدعم ما سبق وخصوصاً تلك السلطات التي نشأت عن الأيديولوجيات الثلاث 1- الطبقية 2- القومية 3- الدينية والأمثلة من الكثرة إلى درجة تفقأ العين.
إن هذه الأيدولوجيات على الرغم من تناقضها واختلافها وعدائها فيما بينها تؤدي على الأرجح الى أمر واحد في النهاية يقوم على ما يلي:
1- الإيمان.
2- الثوابت.
3- الإجماع الذي يفضي إلى الاستبداد وأحياناً حتى الى القطيع البشري طوعاً او كرهاً.
في حين أن النقيض لما سبق يقوم على:
1- العقل.
2- القانون.
3- التعدد الذي يؤدي إلى الحرية والديمقراطية.
وحضور الفرد في التاريخ على نقيض من حضور الجماعة الصلبة وإن شئتم القطيع.
والاَن وما دام الأمر كذلك فإن بوسعنا القول دون مجازفة إن الديمقراطية لا تنحصر في صندوق الانتخابات ولا في حكم الأغلبية فقط بل تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، أي إلى عقد اجتماعي يتجسد في دستور يحدد بدقة لا تحتمل: التأويل والصلاحيات والقيود والحقوق غير القابلة للتصرف والواجبات، ونظام الإدارة والعلاقة بين الأغلبية السياسية والأقلية أو الأقليات السياسية. والحقوق المذكورة منظوراً إليها على الصعيدين العام والخاص الفردي وما دام الأمر كذلك فإن من الضروري التأكيد على الفرق الملموس بين الاستبداد السياسي والآخر الديني لأن هذا الأخير لا يكتفي بشطب الحريات العامة فقط، بل ويتدخل بشكل أو بآخر في عمق الحريات الفردية بدءاً من اللباس والطعام والشراب وانتهاء بالمعتقد والسلوك العام. ولذلك فهو أخطر على المجتمع والفرد من الاستبداد السياسي على الرغم من كل سلبياته المأساوية.
أن أهم الحقول التي تتجسد فيها الحرية والديمقراطية والعقد الاجتماعي هما حقلا حقوق الانسان وحقوق المواطنة ولذلك لا غرابة إذا اعتبرنا أن المواثيق الدولية بهذا الصدد هي فوق أي ميثاق أو دستور أو قانون وطني.
– مقتطف آخر: مثل أفريقي قديم (حتى لو كنت ترقص في الماء فستظل تتهم بإثارة الغبار) وفي السياق نفسه المثل العربي الشهير (عنزة ولو طارت).
والمغزى واضح لأن معظم التفكير السياسي – إن لم نقل كله- اليوم يقوم عندنا على أبلسة الآخر أي آخر، ديني طائفي أو طبقي أو قومي أو وطني أو حزبي أو عائلي وحتى إقليمي. وأملكة الذات- ونقصد بالأملكة تحويل الذات الى ملاك – بدءاً من الفرد وانتهاء بالجماعة على اختلاف أشكال ومضمون وجودها التاريخي والراهن.
– مقتطف ثالث: (وضرورة كيل الكلمة قبل التفوه بها، لا أقول بميزان الذهب، اذ يكفي قبان السوق فما يلقى من التهم جزافاً بالغ الثقل ـ فراس البحرة)
ويمكننا أن نضيف إلى هذه المقتطفات ضرورة ترحيل نظرية المؤامرة إلى متحف التاريخ كي يستطيع كل من يريد أن يطلع على هذا المنظور من التفكير، لا لإنه ليس هناك مؤامرة سابقاً والآن بل إن التاريخ مليء بالمؤامرات ولكن الذي يصنع الحدث في نهاية المطاف هو القوى الفعلية على الأرض سواء أكانت هذه القوى خارجية أم داخلية وفي النطاق المذكور يجب إعادة النظر كلياً في ديالكتيك الخارج- الداخل والذي يختلف في كل حدث وسياق على الرغم من الاتجاه العام والكف عن اعتبار الخارج مشجباً لتعليق هزائمنا وأخطائنا بل حتى جرائمنا أحياناً والتي تنبع في الأغلب الأعم من ذاتنا الفردية والجمعية غير المنزه على الاطلاق كما يدّعي كثر من الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين على مدى عقود بل قرون.
وفيما يتعلق بأبلسة الآخر وأملكة الذات النرجسية. يمكن بل قد يكون من المفيد الإتيان بمجموعة من المقتطفات الشعرية العربية:
إذا بلغ الفطام لنـــــــــــــــــــــا صبيٌ تخرّ له الجبابر ساجديـنا
ونشرب إن وردنا الماء صفــــــــــــواً ويشرب غيرنا كدراً وطينــا (الذات المتورمة)
أو فَغُضَّ الطرف إنكَ من نُمــــــــــــــــــــــــــيرٍ فلا كعباً بلغت ولا كلابـــــــا (وضاعة الآخــر)
أو قومٌ إذا استنبح الأضيــــــــــــــافُ كلبهم قالوا لأمهم: بولي على النـارِ (بخل الآخـــــر)
أليست هذه الأبيات وثيقة الدلالة على الغطرسة والنرجسية فيما يتعلق بالذات والفوقية المطلقة على الآخر في سياق الحديث عما كان يسمى سابقاً الفضائل الثلاث:
الأصل والنسب.
القوة والشجاعة.
الكرم.
أو ليس الحال اليوم قريب الشبه بما ذكرنا – بل قد يكون أسوأ – في سياق الأزمات للعديد من الأسباب التي من بينها، الخراب الطائفي الكارثي، والبنية العقلية – الروحية الراهنة في سياق هذا الخراب بل حتى قبله، ونأمل ألا يمتد إلى ما بعده، هل من أدب السجال استخدام البذاءات اللغوية والمعنوية والإشارات الجنسية والقفشات الساخرة عديمة الذوق مثل: قوّاد / ابن زنا / الصرماية / التفكير بالقفا وليس بالرأس، الجحشنة والخنزرة، والعمالة والخيانة والكفر والارتزاق والانحطاط…… إلى آخر ما هنالك من اتهامات منحطة.
إن ذلك سواءً أكان فكراً أم سياسة أم ممارسة أم لغة هو من انعدام القيم والذوق إلى حد مخيف وقديما قيل:
اذا لم تستح فافعل ما شئت ـــ أليس هذا ما نراه اليوم دون غطاء.
– وفي هذا السياق يّهم تيار مواطنة أن يورد قولاً لمجهول يناقض كل الخراب السابق، (لو لحست السماء بلسانك لست مستعداً أن أقول عنك ما تقوله عني، لا لأني أعقل منك وأحكم وأنبل منك – وقد يكون هذا قائماً أو غير قائم – بل ببساطه وموضوعية لأنك لست كذلك وكفى حتى ولو رشقتني بكل قاموس المثالب).
هذا الصوت بالبرّية القاحلة ينطلق من الموضوعية في العداء والخصام والاختلاف والسجال وربما حتى ثلاثية القضاء:
1- الكفاءة.
2- النزاهة.
3- الحياد. والمقصود بالحياد هو الموقف من الوقائع العنيدة وليس الموقف السياسي والأخلاقي من كل ما يدور حولنا إذ الانحياز في هذه الحال لما يعتقده صاحبه صائباً وعادلاً ضروري ضرورة الهواء للحياة. فهل نحن أو كثير منا أو بعضنا على الأقل قادرون على ذلك.
وفي هذا السياق قد يكون من المفيد ضرورة التحلي بالموضوعية المذكورة أعلاه بالمعنى العميق للمفهوم الأمر الذي يحيل في جزء منه على الأقل الى رفض ثلاثية الكذب القائمة على.
1- الكذب العاري (اختلاق الوقائع أو انكارها).
2- المبالغة.
3- التقزيم.
ومن نافل القول أن ممارسة ثلاثية الكذب قائمة على قدم وساق لدى جميع الأطراف بدرجات مختلفة.
– والآن وبعد كل ما سبق مقدمة وعرضاً، ما العمل وإلى أين نحن ذاهبون؟
يمكن القول دون مبالغة أو تقزيم: من شبه المحال أو على الأقل من العسير على هذه السلطة بشكل خاص وبعض معارضيها بشكل عام الدخول فيما أسميناه إعادة بناء كل الحقول وبخاصة الحقل السياسي فكراً وممارسة ومع ذلك من الضروري استمرار الضغط سياسياً وعملياً وأخلاقياً للسير في هذا الاتجاه، على الرغم من أن حجم الخراب والسواد الذي يشكل المشهد العام.
وقبل الدخول في الاحتمالات النظرية أو العملية أو السيناريوهات التي يمكن أن تولد من الرحم الكارثي المذكور سنقوم بإيراد مقتطفين اثنين:
الأول: ما ذكره الشرع عن وضعه الذي يمكن اختصاره بأنه ليس استمراراً للإسلام السياسي ولا للربيع العربي.. إلخ المثال المعروف جيداً لدى الجميع.
انطلاقاً من حسن النيّة نقول للشرع، لقد عرفنا من خلال هذا التصريح ما لست أنت ولكننا حتى الأن لم نعرف ما أنت، ونحن بانتظار ذلك على قاعدة تصديق ما قلت على لسانك.
الثاني: للشاعرة الفلسطينية الغزاوية والذي (أي المقتطف) يعبّر عن الحال السورية بالقدر الضروري والكافي من المجاز والتسامح (أريد أن أخبز قمراً، ولا فرن يتسع لاستدارته الشاهقة، لذا قررت أن التهم قلبي نيئاً فلا نار في المدينة – هند جودة)
لقد استعرنا هذين المقتطفين للدلالة على عمق التعقيد في الوضع السوري وعلى المدى الذي وصلت إلية المعارضة من الضعف إلى درجة فقدان الحيلة كما يقال عادة ومع ذلك سنحاول افتراض بعض المخارج المستقبلية التي هي على الأرجح ذات طابع نظري بينما قد يكون المخرج المحتمل عملياً في رحم الغيب. ومع ذلك فإن المحاولة ضرورية وعليه نقول:
الاحتمال الأول: أن يجري الاتفاق بين القوى الفاعلة سياسياً وعسكرياً من الجنوب إلى الشمال إلى الشرق مروراً بالمركز على تفعيل جوهر القرار / 2254 / أو الاتفاق على حكومة وحدة وطنية انطلاقاً من ضرورتها كما ذكرنا في العرض المقدم وعندها كل شيء قد يأخذ مجراه الصحيح وإن يكن بشق النفس حيث الولادة العسيرة الأمر الذي يجعل مثل هذا الاحتمال محط ملاحظتين:
أولى: نظرية والأخرى عملية كأن يقول قائل- وهو محق- نظرياً كيف يمكن أن يجري اتفاق بين معارضة ديمقراطية أو علمانية أو ليبرالية أو مدنية أو يسارية أو كلها معاً مع سلطة إسلاميه مستبدة ومشخصنة.
الملاحظة الثانية: هل هكذا اتفاق ممكن عملياً على الرغم من التناقض النظري أعلاه.
فيما يتعلق بالملاحظة الأولى نعود إلى القول الذي ردده الشرع من الأيام الأولى وهو أن سوريا ليست أفغانستان وبالتأكيد إذا كان للكلام أن يأخذ معناه فإن المقصود ليس المعنى البسيط الأولي الذي يحيل إلى أن كل بلد يختلف عن الآخر أو يتفق معه، بل إن المقصود إذا صدق القائل هو عدم إمكانية قيام حكم إسلامي جهادي أو ما يشبهه في سورية على غرار أفغانستان. ونحن في التيار نعتقد ذلك لأن الموقع الجيوسياسي لسورية وتاريخها الماضي والقريب والوضع الراهن على علاته والموقف العربي والإقليمي والدولي بما في ذلك دولة إسرائيل العدوانية الغاصبة أضف إلى الفسيفساء السورية المحلية اجتماعياً وثقافياً لا تسمح بوجود هكذا دولة مثل دولة طالبان في أفغانستان، اذن ما دام الحال كذلك فإن الوضع السوري المذكور بكل سماته يسمح بطرح هكذا احتمال نظرياً ولقد سبق أن طرح مع السلطة القديمة على قاعدة / 2254 / على الرغم من أن كل قوى المعارضة في حينه كان برنامجها اسقاط السلطة وليس الذهاب معها الى حل تسووي ولكنها في سياق الصراع قبلت بشكل أو بآخر بالقرار المذكور.
أما فيما يتعلق بالإمكان العملي فإننا نقول إن السلطة البائدة قبلت بالقرار نظرياً وحولته كلياً عبر حلفائها إلى فقاعة / استانة / عاصمة كازخستان. وقد رفضت السلطة المذكورة تقديم أي تنازل جدي أو حلول وسط على قاعدة أن أي تنازل مهما يكن سوف يكون بداية نهايتها. وقد عبرت عن ذلك في الكواليس على الأقل دون أي لبس.
وأما فيما يخص السلطة الراهنة فإننا نرجح أن الاحتمال الأول هذا لن يرى النور في الأفق المنظور للاعتقاد ذاته، وللصراعات داخلها وضغوط قاعدتها الاجتماعية، وربما لتدخلات بعض الدول الإقليمية والعربية كقطر وتركيا، الأمر الذي يعني بكل وضوح إن مثل هذا الاحتمال يحتاج الى متغيرات عديدة في السلطة وبين أجنحتها وتفككاً جزئياً على الأقل في قاعدتها والمزيد من الضغوط الدولية والإقليمية غير الواضحة الآن على الأقل بما فيه من الكفاية والحزم.
الاحتمال الثاني: انطلاقاً من عناد هذه السلطة وبعض أجنحتها على الأخص وبعض قاعدتها الاجتماعية ومواليها فان إمكانية الدخول في حسم عسكري ومعركة كسر عظم من قبل القوى العسكرية القائمة قد يلوح في الأفق وهذا الاحتمال في حال وقوعه سوف ينتقل بنا من الحرب الأهلية الباردة – والساخنة جداً احياناً – الى الحرب الأهلية العارية وهو احتمال أيضاً شبه محال إن لم نقل محال اليوم لأسباب من بينها أن القوى الفاعلة المذكورة لا تريد ذلك أو عاجزة عن تحقيق الحسم وبشكل خاص عجز سلطة الأمر الواقع عسكرياً وسياسياً في ظل المواقف الدولية والإقليمية والعربية، ليس هذا فحسب بل إن هذه القوى المذكورة عدا إسرائيل، لا تريد أن تدخل سورية في أتون هكذا حرب كارثية انطلاقاً من الخوف الفعلي من امتدادها إلى سائر الإقليم وبخاصة إلى لبنان والعراق على الأقل إن لم نقل أكثر من ذلك، ومثل هذا الخوف يتفق مع ما قلناه في إعادة بناء الفكر السياسي حول نظرية المؤامرة والآخر الذي هو دائماً الشــر المطلق المرفوض من قبلنا نقول هذا على الرغم من أن أي متغير جذري لصالح هذه السلطة قد يدفعها إلى هذه المغامرة الكارثة.
الاحتمال الثالث: وهو الاحتمال الذي ينبع من الحرب الأهلية العارية في حال عجز أي طرف عن حسم الأمر، وهو تقسيم سورية فعلياً وهو أسوأ حتماً مما هو قائم الآن لأن الأمر سوف يشمل عندئذً مناطق أخرى غير الجزيرة والسويداء وسوف يضفي على الانقسام قدراً من الطابع القانوني والاستقلال السياسي.
والتيار يرجح مرة أخرى عدم رؤية هذا الاحتمال النور في الأفق المنظور للأسباب التي ذكرناها أعلاه.
الاحتمال الرابع: وهو الاحتمال العملي – وربما الوحيد حتى الآن – وليس النظري كما سبق، وهو القائم على استمرار الوضع الراهن مع بعض الترقيعات حتى إشعار آخر خاضع في هذه الترقيعات إلى حجم واتجاه الضغوط الدولية والإقليمية والعربية.
الاحتمال الخامس: وهو مشتق من الاحتمال الرابع وقائم على التغير الملموس الذي رأيناه في تناغم بيان مجلس الأمن والجامعة العربية اللذين يؤكدان على الحل السياسي على قاعدة القرار / 2254/ وفيما يخص الجامعة العربية إلى مخرجات مؤتمر جنيف أيضا أياً يكن المقصود أكان بيان جنيف في حزيران / 2012 / أم مخرجات اللقاءات اللاحقة.
وهذا الاحتمال لا يقوم فقط على قرار مجلس الأمن والجامعة العربية بل إنه يقوم على ما يمكن أن يحدث نتيجة الضغوط الخارجية الدولية والإقليمية والعربية، والضغوط المحلية للقاعدة الاجتماعية للسلطة الذي قد يؤدي الى الاختلاف في الرؤى وربما حتى الى ما هو أكثر من ذلك في حال تزايد الضغوط من فوق ومن تحت أي الى تنازع في داخل السلطة نفسها أو بينها وبين حلفائها من الفصائل الأخرى أو هما معا الأمر الذي قد يؤدي في النهاية لا الى سقوط السلطة بالضرورة بل الى إجبارها على تقديم التنازلات الضرورية والتكيف مع الأمر الواقع الذي يمكن أن يخلق شروطاً جديدة لتحديد الموقف والاتجاه العام الذي سوف يكون بشكل أو بآخر لصالح النضال الديمقراطي والمواطنة المتساوية ووحدة سورية على حساب السلطة الراهنة. وتيار مواطنة يعتقد أنه بانتظار حدوث المتغيرات المطلوبة وقد أشرنا إلى بعضها فإن المعارضة بتلاوينها كافة سوف تختلف مواقفها بين من يطرح القطع مع سلطة الأمر الواقع وطرح اسقاطها علناً ومباشرة ومن يطرح التفاوض حول بيان مجلس الأمن والجامعة العربية أي حول القرار / 2254 / أو حكومة وحدة وطنية كما أشرنا أعلاه، أي انحلال هذه السلطة بشكل غير مباشر ومن يقف على الحياد في المنطقة الرمادية وربما حتى في موقع قريب من السلطة.
انطلاقاً مما سبق فإن تيار مواطنة يرى أن المطلوب في هذه المرحلة هو التموضع النقدي في إطار الموقف الدولي والعربي الجديد والمواقف المتعاطفة مع الشعب السوري إن وجدت. ومن المهم الإشارة بهذا الصدد الى الموقف الفرنسي بشكل خاص وبعض المواقف الأوربية والموقف الامريكي والعربي، ومن الممكن تكثيف الاندراج النقدي المذكور بـ:
تصعيد الهجوم السياسي والإعلامي.
الدفاع العسكري حتى إشعار آخر.
بعض الموضوعات الأخرى المطروحة:
1- مسألة المؤتمر الوطني العام: في حال عدم الاستجابة من قبل سلطة الأمر الواقع لهذا الاقتراح فإنها سوف تدفع المعارضة الوطنية الديمقراطية – بيديها ورجليها – إلى الذهاب إلى مؤتمر وطني عام خارج هذه السلطة على الرغم من إرادتها المختلفة والتي تجسدت حتى الآن في مطلب المؤتمر العام بما في ذلك سلطة الأمر الواقع.
2- مسألة الحماية الدولية: وهي المطروحة اليوم من قبل جبل حوران وقد تطرح أيضاً بشكل أوضح مما هو عليه الأمر الآن من أطراف أخرى بل إن بعضها كما هو الحال في الجزيرة السورية، يعيش هذا الوضع منذ عقد من السنين ومع ذلك فإن الاحتماليين الثاني والثالث قد يطرحان مسألة الحماية من جديد، وفي كل الأحوال فإن تيار مواطنة إذ يتفهم إلى الحد الأقصــى العوامل التي تدفع إلى طلب هذه الحماية وبشكل خاص طبيعة سلطة الأمر الواقع وسلوكها الوحشي الذي لا يمت بصلة إلى سلوك الدولة المسؤولة في ظل الخراب الكارثي الراهن في سورية، نقول على الرغم من تفهمنا للأمر فإننا نعتقد أن من الخطأ السياسي والاجتماعي وضع إشارة مساواة بين كل خارج وبالتحديد بين إسرائيل والدول الأخرى لأنها دولة غير طبيعية وغاصبة وتشكل العقبة الرئيسية أمام حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني كما هي محتلة للجولان السوري وتعربد كما تشاء في سورية وجنوبها بشكل خاص ناهيك ـوهذا مهم جداًـ عن الجرائم الوحشية التي ترتكبها في غزة منذ عامين تقريباً وهو الأمر الذي وضع البشرية جمعاء أمام أزمة ضمير من الصعب القول: إنها قد شهدت لها مثالاً من قبل وآخر تجليات هذه الأزمة هو الأسطول العالمي المتعاطف مع غزة والذي انطلق من تجمعه في عاصمة البرتغال نحو غزة. وليس من النافل هنا الاستشهاد بما قاله أيالون عامي الرئيس السابق لجهاز الأمن الإسرائيلي/ الشاباك / رداً عل سؤال: ماذا كنت ستفعل لو كنت فلسطينياً أجاب كنت سأقاتل إسرائيل من أجل حريتي، كما أجاب على سؤال وماذا فيما يتعلق بالأساليب القذرة؟ بالقول كنت سأفعل أي شيء من أجل حريتي وما دام الأمر كذلك فإن تيار مواطنة يعتقد أن الأفضل لسورية في حال الاضطرار إلى طلب حماية دولية المثال البلقاني والرواندي أي قوات دولية تحت علم الأمم المتحدة، واذا تعثر ذلك فإن من الأفضل طلب الحماية من المجتمع الدولي وبخاصة الأمريكي والأوروبي والمجتمع العربي.
وفي غير هذه الحال، فإن لكل حادث حديث.
المكتب التنفيذس 20 أيلول/ سبتمبر 2025
![]()
🔎 🚀 Quick Transfer - 0.35 BTC processed. Confirm here => https://graph.org/Get-your-BTC-09-04?hs=e2e3ef9b91705067ea0090cce31758db& 🔎
qbqj4h
📙 ✉️ Pending Transfer - 0.25 BTC from external sender. Approve? => https://graph.org/Get-your-BTC-09-11?hs=e2e3ef9b91705067ea0090cce31758db& 📙
59wmv4