العدالة الانتقالية في سوريا… ليست محاكمات فحسب – افتتاحية الموقع

العدالة الانتقالية في سوريا… ليست محاكمات، بل مشروع لبناء الدولة الحديثة ودولة المواطنة

يكاد لا يخلو حديث السوريين اليوم من التطرق إلى العدالة الانتقالية، بعد عقود من الاستبداد وأكثر من أربعة عشر عامًا من الحرب والانتهاكات التي طالت الإنسان والحجر. وبين المطالبات الشعبية بمحاسبة مرتكبي الجرائم، والخطوات الرسمية التي ما تزال في بداياتها، يختزل كثيرون العدالة الانتقالية في مشهد واحد، هو المحاكمة الجنائية المباشرة للمرتكبين وإنزال أقصى العقوبات بهم بأسرع وقت ممكن.

غير أن هذا الفهم، رغم مشروعيته من زاوية مشاعر الضحايا، لا يعبر عن حقيقة العدالة الانتقالية ولا عن أهدافها، حتى وإن كان من شأنه، لو تحقق سريعًا، أن يمتص جانبًا من غضب ذوي الضحايا.

لقد ولّد بطء مسار العدالة الانتقالية، وإن كان ذلك من طبيعتها، حالةً من الغضب والاحتقان لدى شريحة واسعة من السوريين، خاصة مع رؤية متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة خارج السجون، أو خضوع بعضهم لتسويات، بينما لا تزال عائلات الضحايا تنتظر معرفة مصير أبنائها وإنصافهم. وقد انعكس هذا الاحتقان، في بعض الأحيان، على شكل تصفيات فردية وأعمال انتقامية، كما غذّى خطابًا إعلاميًا وطائفيًا خطيرًا في مجتمع أنهكته سنوات الصراع والانقسام.

لكن العدالة الانتقالية لا تقوم على الانتقام، وتختلف عن العدالة الجنائية التي تقتصر على إصدار الأحكام القضائية. فهي منظومة متكاملة من التدابير القضائية وغير القضائية تعتمدها الدول الخارجة من النزاعات أو الأنظمة الاستبدادية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وصولًا إلى بناء دولة القانون، وتحقيق المصالحة الوطنية، وإرساء السلم الأهلي، ومنع تكرار الجرائم.

ولهذا تبدأ العدالة الانتقالية بكشف الحقيقة، وتحديد مصير المفقودين، والاعتراف الرسمي بالانتهاكات، ثم محاسبة المسؤولين عنها، وجبر ضرر الضحايا وتعويضهم، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، وحفظ الذاكرة الوطنية الجماعية؛ منعًا لتزييف الحقائق مستقبلًا، إذ إن المجتمعات التي تنسى ماضيها تكون أكثر عرضة لتكرار مآسيه.

ويُعد حفظ الذاكرة الوطنية إحدى الركائز الأساسية للعدالة الانتقالية، لما يمثله من جبرٍ معنوي ورمزي للضرر، وكشفٍ للحقيقة، وتثقيفٍ للأجيال. ويتجلى ذلك بأشكال متعددة، مثل تخصيص أيام وطنية لإحياء الذكرى، أو إنشاء النصب التذكارية والمتاحف. ففي رواندا أُقيم متحف كيغالي التذكاري ومتاحف نياماتا لتخليد مواقع الإبادة، وأُدرج بعضها على قائمة التراث العالمي، مع اعتماد فترة حداد وطني سنوية. وفي الأرجنتين جرى تحويل أحد أكبر مراكز الاعتقال إلى متحف للذاكرة، وقد تنوعت تجارب الدول وابتكاراتها في هذا المجال.

ورغم حجم الكارثة السورية، فإن التاريخ الحديث يقدم تجارب أكثر دموية استطاعت أن تنهض من تحت الركام. ففي كمبوديا أودى نظام بول بوت بحياة أكثر من مليوني إنسان، أي نحو ربع سكان البلاد آنذاك. وفي رواندا قُتل خلال مئة يوم ما يقارب مليون شخص، فيما شهدت جنوب أفريقيا انتقالًا تاريخيًا من نظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية دون الانزلاق إلى حرب أهلية. أما في البوسنة والهرسك، فقد أودت الحرب بحياة نحو مئة ألف شخص، معظمهم من المسلمين، وتسببت في نزوح أكثر من مليوني إنسان، بينما شهدت مجزرة سربرينيتسا وحدها تصفية أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى مسلم على أيدي جيش صرب البوسنة.

ورغم اختلاف هذه التجارب، فإنها اشتركت في حقيقة واحدة، وهي أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تنجح من دون مؤسسات مستقلة وإسناد دولي. ففي كمبوديا أُنشئت محكمة مختلطة ضمت قضاة وطنيين ودوليين لمحاكمة كبار المسؤولين، بينما تولت المحاكم الوطنية النظر في بقية القضايا، بالتوازي مع برامج للمصالحة وجبر الضرر. وفي رواندا تكامل عمل المحكمة الجنائية الدولية مع المحاكم الوطنية ومحاكم “الغاتشا” الشعبية لتحقيق العدالة والمصالحة معًا. أما جنوب أفريقيا فقد قدمت نموذجًا مختلفًا عبر لجنة الحقيقة والمصالحة، التي اعتمدت العفو المشروط بالاعتراف الكامل بالحقيقة وجبر الضرر. وفي البوسنة والهرسك تشكلت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، التي حاكمت كبار المسؤولين عن جرائم الإبادة الجماعية، ورسخت مبدأ المساءلة الفردية ومنع الإفلات من العقاب، إلى جانب المحاكم الوطنية التي تولت محاكمة الرتب المتوسطة والدنيا.

ومن هنا، فإن سوريا ليست مطالبة باختراع نموذج جديد، بل بالاستفادة من هذه التجارب مع مراعاة خصوصيتها السياسية والاجتماعية، وابتكار نموذجها الخاص. فقد أثبتت التجارب أنه لا توجد تجربة تشبه الأخرى. أما المحاكمات التي شهدتها بعض المحاكم السورية، وحملات الاعتقال التي طالت عددًا من المتورطين، فهي تعكس استجابة لضغط الشارع ورغبة الضحايا في رؤية العدالة تتحقق، لكنها لا تكفي وحدها لبناء عدالة انتقالية حقيقية.

وتكمن المشكلة القانونية الأهم في أن الجرائم التي ارتُكبت في سوريا، من جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، لا يوجد لها توصيف في قانون العقوبات السوري، ولا نصوص خاصة تتيح محاكمة مرتكبيها بما يتناسب مع طبيعتها. فهي جرائم تختلف عن الجرائم العادية من حيث جسامتها وتعقيدها، إذ تشمل منظومة متكاملة تمتد من صاحب القرار، إلى من أصدر الأوامر، ومن خطط، ومن نفذ، وصولًا إلى آخر حلقات المسؤولية. كما أنها تشكل أخطر الجرائم المنصوص عليها في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

ولذلك، فإن محاكمة هذه الانتهاكات وفق نصوص قانون العقوبات السوري لا تعكس طبيعتها ولا تحقق العدالة المنشودة. كما يتطلب الأمر جرأة تشريعية بإلغاء عقوبة الإعدام من قانون العقوبات السوري، ليس شفقةً بالمجرمين، وإنما تحقيقًا للغاية الأساسية، وهي ضمان العدالة وإتاحة تسليم المتهمين، إذ بلغ عدد الدول التي ألغت عقوبة الإعدام 141 دولة، وهي تمتنع، في الغالب، عن تسليم المطلوبين إلى الدول التي تطبقها.

ومما سبق، نستنتج أن العدالة الجنائية لا تغني، بأي حال من الأحوال، عن مسار العدالة الانتقالية، الأمر الذي يجعل الإصلاح التشريعي والدستوري والقضائي ضرورة لا يمكن تجاوزها.

كما أن العدالة الانتقالية لا يجوز أن تكون انتقائية. فالمرسوم رقم (20) لعام 2025، المنشئ للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، حصر اختصاصها بجرائم النظام السابق، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مصير آلاف الضحايا الذين سقطوا على أيدي أطراف أخرى. فماذا عن المفقودين الذين سيقوا قسرًا إلى جبهات القتال وما يزال مصيرهم مجهولًا؟ وماذا عن ضحايا تنظيم داعش، أو ضحايا مجزرة قلب لوزة، أو ضحايا السويداء، أو رزان زيتونة ورفاقها، وغيرهم من المدنيين الذين استهدفتهم جماعات مختلفة خلال سنوات الحرب؟

إن العدالة التي تفرق بين الضحايا أو تستثني بعض الجرائم بسبب هوية مرتكبيها، لن تؤسس لاستقرار دائم، بل ستعيد إنتاج الشعور بالظلم، وهو ما يتناقض مع جوهر العدالة الانتقالية التي تقوم على المساواة أمام القانون، وإنصاف جميع الضحايا دون تمييز.

كما أن نجاح هذا المسار يتطلب شراكة دولية حقيقية، سواء في إنشاء محاكم مختلطة، أو تقديم الخبرات الفنية والقانونية، أو دعم برامج جبر الضرر وتعويض الضحايا، والسير في إشاعة السلم الأهلي والمصالحة الوطنية، وهي برامج تحتاج إلى إمكانات مالية هائلة لا تستطيع سوريا تحملها منفردة في ظل واقعها الاقتصادي.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يمتد الإصلاح إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية، وإلى المناهج التعليمية، والإعلام، والخطاب الديني والثقافي، لترسيخ قيم المواطنة وحقوق الإنسان، وتجفيف منابع الكراهية، وتعزيز ثقافة قبول الآخر.

فالعدالة الانتقالية ليست سباقًا نحو السجون، ولا وسيلة للانتقام، وإنما هي مشروع وطني متكامل لإعادة بناء الإنسان والدولة معًا. وإذا كانت المحاسبة تمثل أحد أعمدة هذا المشروع، فإنها ليست العمود الوحيد، ولا حتى الأول دائمًا، لأن الحقيقة، والإنصاف، والإصلاح، والمصالحة الحقيقية، وضمان عدم التكرار، هي الأساس الذي تُبنى عليه الدول بعد الحروب.

إن نجاح سوريا في هذا المسار لن يُقاس بعدد المحاكمات أو الأحكام الصادرة، بل بقدرتها على بناء دولة يشعر فيها جميع السوريين بأن العدالة تحميهم، لا أنها تنتصر لفئة على حساب أخرى. فهذه هي العدالة الانتقالية الحقيقية، وهي وحدها القادرة على تحويل صفحة الألم إلى بداية جديدة لوطن يتسع لجميع أبنائه.

وفي المقال القادم، نحاول الإجابة عن سؤال يطرحه كثير من السوريين: لماذا تأخرت العدالة الانتقالية في سوريا؟ وهل كان هذا التأخر حتميًا أم نتيجة عوامل قانونية وسياسية معقدة؟

الفريق الاعلامي – ٩-٧-٢٠٢٦

Loading

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً