في مواجهة الانقسامات السورية – افتتاحية الموقع

لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت أحلام العديد من القوى الديمقراطية، التي اعتقدت أن سقوط نظام الاستبداد الأسدي سيضع سوريا على مسار التغيير، والقطع مع الاستبداد، وبناء نظام ديمقراطي، تصطدم بالواقع وتتلاشى تدريجيًا.
إلى جانب ذلك، أسهم فشل سلطة الأمر الواقع في وضع خطة لمعالجة العديد من الأزمات الموروثة، مثل أزمة إعادة الإعمار، وملف المهجرين، وإصلاح البنى التحتية. وكان الأخطر في هذا المجال الفشل في معالجة قضية العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، ومنع أعمال الانتقام الجماعي، كما شهدنا تجاه الأقليات الدينية والمكون الكردي.
كما سيطرت السلطة على جميع مؤسسات الدولة، وتم تسليم المواقع القيادية فيها على أساس الولاءات لا الكفاءات، مع احتكار القرار من قبل رأس السلطة، الأمر الذي قاد إلى فشل ذريع في المجال الاقتصادي، وزيادة معدلات الفقر، ولا سيما بعد تسريح آلاف موظفي الدولة ومنتسبي الجيش والقوى الأمنية الذين لم تتلوث أيديهم بدماء السوريين أو بالفساد، من دون توفير الحد الأدنى من مقومات العيش لهم. ولذلك بدأت تظهر احتجاجات، وإن كانت خجولة، في أوساط شرائح اجتماعية كانت تُعد من البيئة الحاضنة لهذه السلطة، إلى جانب الاحتجاجات التي شهدتها دمشق والجزيرة.
ولا يعني ذلك أننا لا ندرك حجم التعقيدات والأزمات الناتجة عن سنوات الحرب الطويلة وما خلّفه النظام الساقط، وأن تجاوز هذه الأزمات يحتاج إلى وقت طويل. إلا أننا لا نرى وجود مسار واضح وجاد لمعالجتها، ولا سيما القضية الأكثر إلحاحًا، وهي مواجهة الانقسامات العميقة والعمودية داخل المجتمع السوري، سواء كانت طائفية أو قومية أو مناطقية.
إن استمرار استثمار هذه الانقسامات من قبل أطراف مختلفة، وانتشار خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، سيؤديان إلى المزيد من عدم الاستقرار وإلى صراعات دامية بين مكونات المجتمع. وتزداد خطورة ذلك مع استغلال هذه الانقسامات من قبل دول إقليمية في إطار النزاعات الإقليمية وسعيها إلى الهيمنة على القرار السوري، بما لا يخدم المشروع الوطني الذي نطمح إليه لسوريا.
وقد أكد تيار مواطنة في العديد من وثائقه خطورة هذه الانقسامات وأسبابها العميقة. فعلى الرغم من أن القوى الوطنية بعد الاستقلال حاولت إرساء أسس لمفهوم الوطنية السورية، فإن غالبية القوى السياسية، سواء الإسلامية أو القومية أو الشيوعية، اعتبرت أن سوريا بصيغتها الحالية هي نتاج للاستعمار، وأنها مجرد مرحلة انتقالية، ولذلك لم تحمل مشروعًا وطنيًا سوريًا متكاملًا يعالج الانقسامات ويؤسس لمفهوم المواطنة.
والأخطر من ذلك أن الانقلابات العسكرية، بغض النظر عن شعاراتها، اعتمدت في بنيتها على الانتماءات ما قبل الوطنية، سواء كانت مناطقية أو عشائرية أو طائفية، كما تجسد بصورة واضحة في عهد النظام الأسدي.
وقد أدرك السوريون في بدايات الانتفاضة، قبل أسلمتها، خطورة هذا الانقسام، فكان شعارهم الجامع: «واحد، واحد، واحد… الشعب السوري واحد».
لقد أكد تيار مواطنة، منذ سقوط النظام البائد، أن تجنب إعادة إنتاج التجربة السابقة، في ظل ظروف أكثر تعقيدًا على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، يقتضي رفض منطق «من يحرر يقرر» بوصفه أساسًا لإدارة المرحلة الانتقالية. فرغم أن سقوط النظام لم يكن نتاج فعل جهة واحدة، بل ثمرة نضالات وصمود غالبية السوريين وما قدموه من تضحيات جسيمة، إلى جانب فقدان النظام السابق لمقومات استمراره ودوره الوظيفي، فإن احتكار السلطة والقرار من قبل طرف واحد لا يمكن أن يشكل مدخلًا لبناء دولة ديمقراطية جامعة.
وقد أثبتت التجارب، سواء في المنطقة أو على المستوى العالمي، أن نظرية «من يحرر يقرر» لم تنتج نموذجًا ناجحًا لبناء الدولة، بل قادت في معظم الحالات إلى إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة. وتزداد خطورة هذا النهج في الحالة السورية، نظرًا لعمق الانقسامات الطائفية والقومية والمناطقية التي راكمتها عقود الاستبداد والحرب، فضلًا عن الموقع الجيوسياسي الحساس لسوريا، وتشابك المشاريع الإقليمية والدولية المتنافسة على أرضها، الأمر الذي يجعل أي مشروع إقصائي أو أحادي مدخلًا لمزيد من التفكك وعدم الاستقرار.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يرى تيار مواطنة أن المخرج الحقيقي من الأزمة السورية لا يكون إلا عبر إطلاق مسار سياسي وطني شامل، يستند إلى روح قرار مجلس الأمن رقم (2254)، باعتباره الإطار الأكثر واقعية لإنجاز انتقال سياسي يشارك فيه جميع السوريين، ويؤسس لدولة المواطنة والقانون.
ويتمثل هذا المسار، أولًا، في عقد مؤتمر وطني سوري جامع، يضم ممثلين عن جميع مكونات الشعب السوري وقواه السياسية والمدنية، ويتمتع بحرية القرار وإلزاميته، وبرعاية وإشراف الأمم المتحدة. ويتولى هذا المؤتمر صياغة إعلان دستوري ديمقراطي جديد يقطع مع النهج السابق، ويعيد تعريف طبيعة الدولة، وينظم العلاقة بين السلطات الثلاث، ويكفل الحقوق والواجبات والحريات العامة والفردية، ويضمن حرية العمل المدني والسياسي وتأسيس الأحزاب، مع إعادة النظر في جميع الإجراءات والقرارات التي اتخذتها السلطة الحالية، وفي مقدمتها مخرجات مؤتمر النصر والإعلان الدستوري.
أما الخطوة الثانية، فتتمثل في تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، أو مجلس رئاسي وحكومة وحدة وطنية، يتم اختيارها وفق أسس ديمقراطية شفافة، بما يضمن مشاركة مختلف القوى الوطنية في إدارة المرحلة الانتقالية. كما يتطلب ذلك تشكيل مجلس عسكري وطني يتولى إعادة هيكلة المؤسستين العسكرية والأمنية على أساس عقيدة وطنية، مع إعادة دمج الضباط والعناصر الذين لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين أو بالفساد.
وقد طرح التيار، إلى جانب هذه الرؤية، مجموعة من المقترحات التفصيلية التي نشرها في وثائقه وأخضعها للنقاش والإغناء، وفي مقدمتها خارطة الطريق التي لا نزال نعتقد بصوابيتها وقدرتها على توفير مخرج وطني من الأزمة، سواء في المرحلة الراهنة أو في الأفق المنظور. وانطلاقًا من هذه القناعة، يؤكد التيار أن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء أو التفرد بالسلطة، وإنما على الشراكة الوطنية، والعدالة الانتقالية، والمصالحة المجتمعية، وترسيخ دولة المواطنة وسيادة القانون.
إن سوريا التي نطمح إليها لا يمكن أن تُبنى على منطق الغلبة أو الاحتكار أو إقصاء الشركاء في الوطن، بل على عقد وطني جديد يشارك في صياغته جميع السوريين، ويؤسس لدولة المواطنة والقانون والمؤسسات، حيث يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات دون تمييز. وحده هذا المسار كفيل بطي صفحة الاستبداد، واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع، وصون وحدة البلاد وسيادتها، ووضع سوريا على طريق الاستقرار والتنمية والديمقراطية، بما يحقق تطلعات شعبها في الحرية والكرامة والعدالة.
الفريق الاعلامي – 20-6-2026
![]()
اترك رداً