سورية الجديدة والمستنقع اللبناني – افتتاحية الموقع

عاد الرئيس الأمريكي ترامب ليصرح بأنه طلب من الرئيس السوري الشرع، والذي وضعه هو بنفسه على رأس الحكم في سوريا، معالجة ملف حزب الله في لبنان، وأن التدخل السوري سيكون أقل كلفةً من الحرب الإسرائيلية، والتي تدمر الأبنية من أجل شخص. ولكن الشرع، الرئيس السوري الانتقالي، سارع ليخبرنا، أننا لم نحسن فهم تصريحات ترامب، وإن ترامب يقصد ابداء استيائه من الحرب الإسرائيلية على لبنان، ولا يطلب من سوريا ومن الشرع نفسه تدخلاً عسكرياً، ولكنه في مقابلته الأخيرة مع تلفزيون المشهد، حاول الشرع الهروب من الإجابة المباشرة ، عبر الالتفاف على الموضوع، وتحدث عن دور سياسي مهم لسوريا بالتوافق مع الحكومة اللبنانية، ولم يجب صراحة ما هو الدور الذي يمكن أن تؤديه سورية، الدولة التي ما زالت في طور الولادة، وهذا ما سمح للآخرين باستنباط الإجابة كل حسب رؤيته ورغباته، وتضارب ذلك بين من فهم الإجابة نفي للتدخل العسكري، وبين من فهمه عكس ذلك.
هناك أخبار متضاربة حول دخول بعض الفصائل السلفية الى طرابلس مسبقاً بطبيعة الحال، وان هناك تواجد عسكري للفصائل السلفية التابعة للسلطة السورية في طرابلس لبنان، قد تكون هذه الأخبار غير صحيحة أو غير دقيقة، ولكن من المؤكد هناك تواجد سلفي لبناني في طرابلس، يدين بالولاء لهذه السلطة.
تشير الوقائع أن السلطة السورية الجديدة لن تستطيع أن تدخل عسكرياً الى لبنان، بغض النظر عن رغبتها بذلك أو عدمه، فهذا التدخل العسكري لا يلقى قبولاً عند كل القوى الإقليمية.
تركيا صرحت بلسان أوغلوا انها هي من ساعدت الشرع للوصول الى دمشق، وليس ترامب، وانها ليس لها مصلحة بتدخل سوري عسكري في لبنان، وانها ترى مصلحة إقليمية في محور جديد تركي إيراني سوري عراقي، تركيا ترى أن المطامح الإسرائيلية للهيمنة في المنطقة، ستجعل إسرائيل ترى فيها العدو القادم بعد الانتهاء من ايران، خصوصاً وأن هناك صراع نفوذ إسرائيلي تركي في المنطقة، رأيناه في سوريا أكثر من مرة، وخصوصاً في القصف الإسرائيلي للتواجد العسكري التركي في سوريا،، وعليه لا ترى مصلحة لها بتدخل عسكري سوري في لبنان، لإنهاء تواجد حزب الله، مما يخدم المصالح الإسرائيلية موضوعياً.
البلدان العربية بالمقابل لا ترغب أيضاً بتواجد عسكري للسلطة السورية الجديدة لبنان، فهم جميعاً لا يرغبون بخلق حافظ اسد جديد في المنطقة، وعلى الرغم من انهم يرغبون باستقرار الوضع في سوريا، لكنهم ما زالوا يراقبون سلوك هذه السلطة ولا يرغبون إعطائها نفوذاً كبيراً، يسمح لها بالتأثير في المنطقة، وكذلك يأتي موقف إسرائيل، التي لا تريد قطعاً حكماً إسلامياً قويا في سوريا على حدودها، ولا بقاء وجود جهاديين إسلاميين، سنة بدلا عن الشيعة، على حدودها في لبنان.
ترفض كل القوى السياسية اللبنانية، عدا السلفية منها، التدخل السوري في لبنان، وكذلك أغلبية الشعب اللبناني، فلدى الشعب اللبناني تراوما سببها التدخل الطويل لنظام الأسد لا يمكن نسيانها بسهولة، وتجعله يرفض أي تدخل سوري، وإن تغير النظام بسوريا.
قد تستطيع سلطة الشرع في حال رغبت بالدخول أن تقنع الفصائل المنضوية معها، أو مواليها بأهمية هذا التدخل، لأن حزب الله قد اساء للشعب السوري كثيراً خلال فترة الحرب الطويلة، ولن ينسى الشعب السوري وقوفه إلى جانب نظام الأسد في حربه، والانتهاكات الجسيمة التي قام بها، ما يجعله عدواً لهذه الفصائل ولأغلبية الشعب السوري أيضاً، ولكن هذه الفصائل ومن خلفها القاعدة الشعبية السنية لها، رغم كرهها لحزب الله لا تريد خدمة المصالح الإسرائيلية، فإسرائيل هي عدو استراتيجي لها، وهذا يجعل مهمة السلطة بإقناعها بضرورة هذا التدخل اصعب.
ينطوي التدخل العسكري للسلطة السورية في لبنان على خطر اندلاع حرب أهلية، سنية شيعية، في المنطقة بأسرها، فقد يدفع هذا التدخل شيعة العراق والحشد الشعبي للانخراط بالدفاع عن حزب الله، وقد يعيد ايران الى سوريا عبر القصف، أو عبر دعم الشيعة في سوريا لمواجهة السلطة وقاعدتها الشعبية، هذه الحرب إن اندلعت، ستكون وبالاً على المنطقة بأسرها.
ويبقى أن هذه السلطة غير مهيئة لهذا التدخل، فالأمور لم تستقر في سوريا بعد، وما زالت الحالة الفصائلية مهيمنة، ولم تستطع دمجها في جيش موحد بعد، وما زالت هناك بعض المناطق الخارجة عن سيطرتها، وهناك أيضاً العداء لهذه السلطة من العديد من الأطراف الداخلية، وتواجه كذلك بعض المشاكل مع قاعدتها العسكرية والاجتماعية، والتي ترى في بعض سلوكياتها تنازلاً عن المبادئ، وتخلياً عن الطريق الجهادي، إذاً هذه السلطة لم تتمكن بعد، ولم تصل الى القوة التي تجعلها تتجه عسكرياً خارجاً، وهي لا تقلق على الداخل الذي خلفته وراءها، مما يجعل من الخطورة بمكان أن توافق على ما يطلبه ترامب، وتتدخل عسكرياً في لبنان، ولكن هل تستطيع أيضاً رفض طلب ترامب في حال إصراره عليه، إن هذا الرفض سيكلفها ثمناً، فربما يعود للعقوبات، وربما يرفع عنها الحماية، وهو الذي أكد مراراً أنه من أوصل الشرع للحكم، وأنه من وضعه رئيساً لسوريا، وفي ظل الوضع الداخلي الذي لم تتمكن منه السلطة بعد، وفي ظل اعتمادها حتى الآن على الشرعية الثورية من جهة، وعلى الشرعية الخارجية التي منحها لها المجتمع الدولي من جهة ثانية، فهي ليست قادرة على تحمل هذا الثمن.
هكذا تجد نفسها سلطة الشرع في وضع شائك، وتجد أن ما اتقنته حتى الآن من محاولة إرضاء كل الأطراف في خطر في ظل التعارض الحاد لمصالح هذه الأطراف، ولذلك جاء جواب الشرع في مقابلته مع تلفزيون المشهد، التي تحدثنا عنها آنفاً، غير واضح ويحمل عدة تفسيرات، وهرب منه الى اقناعنا بفهمنا الخاطئ لما يريده ترامب.
إننا في تيار مواطنة نرجح أن الشرع لن يدخل عسكرياً الى لبنان، ولكننا نرى أيضاً انه سيواجه معضلة حقيقية في حال لم تنجح المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية، وفي حال لم يستكن حزب الله وينفذ هذه الاتفاقيات، والذي سيدفع بترامب للإصرار على تنفيذ طلبه بالدخول العسكري، ونحن وهو والجميع نراقب هذه المفاوضات التي وصلت مؤخراً الى اتفاق، ونراقب رد فعل كل من ايران وحزب الله عليها، وهل سيتم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
الفريق الاعلامي – ٢٧-٦-٢٠٢٦
![]()
اترك رداً