افتتاحية: العدالة الانتقالية، السلم الأهلي، المواطنة، هي أطواق النجاة

العدالة الانتقالية، السلم الأهلي، المواطنة، هي أطواق النجاة

عند سقوط النظام في 8 ديسمبر تحرر السوريون بفرح من أعباء حمل ثقيل بين مصدق وعير مصدق، وقد تمت العملية بأقل قدر ممكن من العنف والضحايا، وبقدر معقول من الانتظام، بدون انتقام وبدون استعراض، وكان أبطالها غالباً مجهولين للكثير من السوريين. بدا أن “المحرِرِين” واعون لنصرهم باعتباره تراكماً لنضال وتضحيات شعب مكلوم ومهجر ومشرد فأصدروا التطمينات عن الانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية بناء الدولة، لكن ما إن انتهت أيام الاحتفال والفرح حتى بدأنا نسمع عن حوادث انتقامات فردية وحتى من مجموعات غير منضبطة، بقيت محدودة لكنها خرقت سردية الانتصار اللطيف والسلمي والإنساني.

الاستحقاقات التي واجهت “المنتصرين” لم تكن بسيطة فالحيز المكاني الذي نجحوا في إدارته سابقاً، وطبقوا فيه طريقتهم في الحوكمة، لا يقارن بالفضاء الممتد من حيث المساحة والمختلف من حيث التكوين والتنوع والعلاقات مع الخارج، وقد حاولوا بقدر خبرتهم مراعاة التميز والاختلاف خاصة وأن النصائح كانت تأتي من الأصدقاء، وحتى المتضررين والمعارضين كان لسان حالهم لننتظر ماذا يمكن أن يفعلوا وليأخذوا فرصتهم. لكن ما جرى في طريقة التحضير لمؤتمر الحوار والوطني وفي حيثيات عقده، وفي مضمون الإعلان الدستوري، ثم في طريقة تشكيل الحكومة وتحديد صلاحيات الرئيس، كل ذلك خفض مستوى التوقعات التي رافقت بداية استلام السلطة، فمن الصحيح أن المنتصرين لم يسعوا إلى التأسيس لدولة إسلامية جهادية لكنهم استأثروا بالحصة الكبرى في السلطة والنفوذ، وهم بذلك لم يخرجوا عن القاعدة التي طبقها المنتصرون عموماً في العالم كله، لكن في الحالة السورية التي نحن بصددها توجد خصوصيات لابد من مراعاتها لمن يريد الاستمرار بحكم البلد دون أن يعيد مسيرة الاستبداد.

أحداث الساحل ، دقت ناقوس الخطر فمن الطبيعي والمتوقع أن تحاول بعض بقايا النظام السابق التمرد على السلطة الجديدة، وفي حين سلم الكثيرون من أعضاء الأجهزة الأمنية السابقة سلاحهم فإن قسماً منهم احتفظ بأسلحة وذخائر، وقد تمكنوا من ذلك ببساطة لأن السلطة الجديدة لم تفكر بتطبيق مبادئ العدالة الانتقالية ولم تلاحق المجرمين المعروفين بل إنها عقدت تسويات مع بعضهم، ربما انطلاقاً من تقديرها أن فتح باب المحاسبة وتطبيق العدالة سيطال أعداداً كبيرة، كما أنه حتى يكون مطبقاً بشكل عادل لابد أن يشمل جميع المتورطين في جرائم، ومنهم من هو محسوب على الثورة وعلى حاضنتها الاجتماعية، لذلك فضلت السلطات الجديدة مبدأ السلم الأهلي. إن كل من عايش وتابع الثورة السورية منذ 2011 وعرف طبيعة الصراعات السياسية والطائفية السابقة يدرك أن القصة بالتأكيد ليست بسيطة ولا توجد وصفة سهلة لتحقيق العدالة، ولنعرف أين نحاسب ونعاقب وأين نسامح ونعفو دون أن نقع في فخ الانحياز للمنتصر ومعاقبة المهزوم، كما جرى في عدة حالات تاريخية.

 لم تنته المشكلة بتخامد النيران التي اشتعلت في الساحل في جو من التجييش الطائفي وبدور كبير لفصائل غير منضبطة، مع وجود شكوك في ممارسات ارتكبها المحسوبون على السلطة الجديدة، بل انتقل هذا التجييش ليطال طلاب الجامعات مترافقاً مع انتهاكات مؤسفة وتأثيرات كارثية لدور وسائل التواصل الاجتماعي، في مناخ من غياب دور الإعلام الرسمي، فقد انتقلت كرة النار إلى الجنوب وتضاعفت خطورة الموضوع بعد أحداث الأشرفية وجرمانا والسويداء حيث يوجد الكثير من السلاح والمنظمات العسكرية وبعضها من بقايا فلول الأسد، وحيث استغلت إسرائيل الفرصة لمزيد من التدخل في الساحة السورية.

لقد سدد الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية ووزير خارجيته، ولا يزالان يسددان، رميات موفقة في الملاعب الدولية والإقليمية بعقول منفتحة وبجرأة استطاعت تجاوز الخطوط الحمراء، خاصة في العلاقة مع إسرائيل، بالتفاوض غير المباشر وربما المباشر أيضاً، بهدف تحقيق الاستقرار وإصلاح الأوضاع الاقتصادية وهو عمل في الاتجاه الصحيح، لكن النجاح في الداخل له استحقاقاته المعروفة وبدونه ستكون النجاحات في العلاقات الخارجية غير راسخة ومعرضة للانتكاس، خاصة وأن الفاعلين الكبار يعتبرونها مشروطة وتجريبية.

في السياسة الداخلية لابد من إيلاء الاهتمام بمراجعة كل ما تم إنجازه وعلى وجه الخصوص، وبشكل عاجل، يتوجب الاهتمام بالمواضيع الثلاثة: العدالة الانتقالية والسلم الأهلي والمواطنة، وهذا ما سيهيئ المناخات الملائمة للتقدم في بقية المسارات.

  نعتقد أن التأخر في التعامل مع موضوع العدالة الانتقالية كلف السوريين مزيداً من انعدام الثقة الضرورية للبناء من جديد، فحتى الآن وبعد خمسة أشهر على سقوط النظام لم تُشكل بعد هيئة العدالة الانتقالية وهناك وعود بتشكيلها قريباً، وحتى تنجح هذه الهيئة بعملها وتكتسب المصداقية عليها الاستفادة من خبرات المنظمات السورية والعالمية .يحتاج عمل هيئة العدالة الانتقالية إلى متخصصين حقوقيين وتفعيل أجهزة القضاء بخبرات جديدة، ولكنه يحتاج أيضاً إلى أجهزة شرطية محترفة ومدربة تستطيع الفصل بين متطلبات العمل المهنية وبين الانتماء الطائفي أو الديني أو السياسي، ولا مانع من الاستفادة من مساعدات الجامعة العربية أو بعض الدول العربية أو حتى مساعدات دولية في هذا الموضوع.

بالترافق مع تطبيق العدالة الانتقالية يتوجب إعطاء أهمية كبيرة في تشجيع الفعاليات المتعلقة بالسلم الأهلي، وفتح الباب عريضاً أمام المبادرات الاجتماعية وأمام رجال الدين والوجاهات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني والقوى السياسية. فالجميع مدعوون لرفض القتل العشوائي والانتقام الطائفي، وخاصة خطف النساء، ثم العمل على تعميم الأمان، بالمقابل فإن هناك مبادرات مجتمعية لا تزال محدودة لكنها مشجِعة في الكثير من الأمكنة في سورية.

وبانتظار استكمال ترسم الدولة السورية كدولة مؤسسات مختصة، تكون موضع ثقة كاملة من المواطن بغض النظر عن انتمائه الإثني، أو الديني، أو الطائفي، أو الجنسي، لابد من مراعاة خصوصية بعض المناطق، هذه المراعاة تكون بقبول وجود حماية عسكرية و/ أو شرطية ذات علاقة بالإدارات المركزية مع وجود هامش استقلالية، كما جرى في اتفاق السويداء، وكذلك بقبول أشكال من اللامركزية التي تساعد الدولة المركزية في الإدارة، وهناك بدايات مشجعة في تجربة الاشرفية والشيخ مقصود في حلب. وبالروحية نفسها يتوجب متابعة تطبيق الاتفاق الموقع بين الرئيس الشرع والجنرال مظلوم عبدي لحل بقية المشاكل المتعلقة بشمال شرق سورية بعدما تم الاتفاق على حل جميع المشاكل في إطار سورية موحدة وعلى الاعتراف بالكرد كمكون سوري أصيل.

أخيراً لقد تحدث المنتصرون عن عدم التدخل في الحياة الشخصية للسوريين، لكن هذا التدخل لا يزال يحصل بشكل مستمر سواء في نمط الحياة، أو السلوك، أو التفكير، أو المواقف من اللباس، ولا تزال النساء تدفع الثمن في الكثير من الحالات، إن الحرية الفردية، بما لا يُعرض الآخرين لأي أذى أو إهانة، هي أساس للمواطنة الحقة، المواطنة التي دفع السوريون الكثير من أجلها.

لا للطائفية، لا للقتل، نعم للعدالة الانتقالية، نعم للسلم الأهلي، نعم لدولة المواطنة والقانون، نعم لسورية ديموقراطية لجميع أبنائها.

 

تيار مواطنة- مكتب الإعلام

11.05.2025

Loading

الكاتب admin5

admin5

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة