افتتاحية: ما بعد حادثة تدمر لن يكون كما قبل
ما بعد حادثة تدمر لن يكون كما قبل
في الثالث عشر من الشهر الجاري وقرب مدينه تدمر حدث إطلاق نار أودى بحياة جنديين أمريكيين وتسبب بإصابة المترجم إضافة إلى مقتل منفذ الهجوم، وذلك أثناء لقاء عسكريين أمريكيين مع قيادات محلية، وتبين أن من قام بهذا الهجوم عنصر من عناصر الأمن الداخلي.
كان الرد السوري مرتبكاً ومتناقضاً وقد يعود ذلك لعدم الخبرة في التعامل مع هكذا حدث، أو قد يكون محاولة للهروب مما قد يترتب عليه، فقد صرحت مصادر الداخلية السورية في البداية أن شخصاً من تنظيم داعش تسلل إلى الموقع وأطلق النار، ثم ليأتي تصريح آخر أن قيادة الأمن الداخلي حذرت مسبقا القوات الأمريكية من هجوم محتمل لتنظيم داعش، ثم يأتي تصريح وزير الداخلية معترفاً أن من قام بالهجوم يتبع للقوى الأمنية ولكن ليس له أي صفة قيادية و كان سيتم فصله يوم الأحد علماً أن الهجوم حدث يوم السبت وهو يوم عطلة، أما في الجانب الأمريكي فقد أعلنت وزاره الحرب الأمريكية أن الحادثة وقعت أثناء جولة ميدانية مشتركة، وأن المسلح قتل خلال الاشتباك، ولم يتم الافصاح رسمياً من الجانبين سواء الامريكي أو السوري عن الهوية الكاملة لمنفذ الهجوم وذلك لأسباب معروفة.
تأتي هذه الحادثة بعد مضي شهر على انضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش والاقتراب من توقيت إلغاء قانون قيصر ورفع العقوبات وهو ما حدث لاحقاً، حيث بلغت العلاقات الأمريكية السورية مرحلة تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ سوريا، الامر الذي بدا واضحاً من خلال زيارة الرئيس الشرع لأمريكا وتبادل الهدايا وكيل المديح للشرع من قبل الرئيس الامريكي وعدة مسؤولين أمريكيين.
كانت رده الفعل الأمريكية ذات دلالة سياسية استراتيجية، متضمنة التصميم والإصرار على الاستمرار في دعم النظام السوري الجديد، فكانت أقرب إلى التضامن مع دمشق منها إلى تحميلها المسؤولية فقد صرح ترامب أن الهجوم استهدف الولايات المتحدة وسوريا معا، وقد توعدت أمريكا التنظيم المتطرف وتعهدت بزيادة التعاون مع دمشق، وهذا ما بدا واضحاً بعد أيام في الهجوم الذي تم شرق حمص وأسفر عن مقتل خلية كاملة للتنظيم وقد استخدمت في هذا الهجوم عدة صنوف من الأسلحة الأمريكية بما فيها طائرات 36 F وهذا ما يعزز استمرار الشراكة لمحاربه داعش.
إن رغبة الطرفين السوري والأمريكي بمواجهة التطرف الداعشي أمر واضح، لكن الإشكالية الأكثر عمقاً، والتي يمكن أن تخلخل تحالف الطرفين، تتعلق بتركيبة أجهزة الأمن السوري، فالعنصر الذي قام بالهجوم على الدورية المشتركة تبين أنه يتبع لجهاز الأمن الداخلي المناط به محاربه داعش، وهذا يبرز إشكالية بنيوية عميقة، فما تربت عليه عناصر هذا الجهاز، أو بعضهم على أقل تقدير، هو ذو مضمون ايديولوجي مشبع بالفكر الجهادي ومشحون بالتطرف، وهم أقرب لعقيده داعش فكرياً، فكيف سيقومون بمحاربة هذا التنظيم الذي يستمد شرعيته من النص والاجتهاد الإسلامي مرجحاً مرجعية سورة التوبة التي نزلت على النبي في أيامه الأخيرة. ومن المعروف أنه حتى المؤسسات الإسلامية الأقرب للرسمية والاعتدال لم تستطع تكفيره أو عزله اجتماعياً، هذا التقاطع الأيديولوجي يفسر التداخل وانسيابية وسرعة الانتقال بين الفصائل المتطرفة، في حين أن متطلبات الحكم الواقعية بعد الوصول الى السلطة لم تتحقق بعد في انفصال ناجز عن التطرف رغم قدم الصراع ، نسبياً، بين داعش والنصرة لكن هذا الصراع الفصائلي والسياسي تغيرت طبيعته وشروطه بوصول أحد الطرفين إلى السلطة، كما أن وجود المقاتلين الأجانب يصب في مصلحة الاتجاه الأكثر تطرفاً فهو يعيد الصراع إلى معناه الأيديولوجي وإلى ساحته العالمية، بعيداً عن مقتضيات العمل في الساحة الوطنية.
إن مواجهة شاملة للتطرف تتطلب الاعتماد على عقيدة قتالية تجسد الانتماء الوطني السوري يحققها جيش منظم وقوى أمنية يفترض بها الانخراط بجدية في التعاون مع التحالف الدولي، والأكثر أهمية هي تحقيق السلم الأهلي والسير في بناء دوله المواطنة المتساوية لجميع السوريين، وهذا ما ينتظره المحيط الإقليمي والدولي الذي يراهن على هذه الحكومة، فلابد من التخلص من الآثار الكارثية للانتهاكات التي حصلت وتحصل لأسباب دينية أو طائفية كما جرى في الساحل والسويداء حتى لو كان بعضها في سياق مواجهة الفلول، ولابد من توقيف الانتهاكات بحق النساء ولحقوق الإنسان عموماً، ويجب التوقف عن الترويج للكراهية وللعداء القومي و التهديد فيما يخص الخلاف مع شرق الفرات عند كل مناسبة ،والذي بدا أكثر فظاظة في هتافات احتفالات ذكرى التحرير والعرض العسكري .
إن المشكلة الأكبر والأخطر تكمن في عدم حل مشكلة بنية قوات الأمن والجيش فالدولة تريد، كما هو ظاهر، العمل على فرض السلم الأهلي والتعاطي مع الملفات الأمنية المحلية والدولية والإقليمية بطريقة مؤسساتية وقانونية، ولكن تحديات بناء مثل هذه الدولة ليست قليلة وخطورتها الكبرى تأتي من الداخل، من تركيبة الفصائل التي شاركت في عملية التحرير، وفي نمطها الأيديولوجي. إن ما حدث في تدمر ليس حادثاً فردياً وقد لا يكون الأخير، وقد يظهر بأشكال وتجليات أخرى.
الرئيس الشرع ومن حوله وكذلك الأمريكان، يعرفون الكثير عن بنيه هذه القوات وتدريبها والضخ الايديولوجي التي تقوم به في على مدار الساعة، وإن لم يتم التعاون والعمل بشكل جدي بين الأمريكان وحكومة الشرع، سيحدث تحول أو تدهور جدي في العلاقة فالأمريكان يطمحون لزيادة هذا التعاون، ولكن قد يغيرون من آلية تعاملهم وشروطهم، وقد يفرضون زيادة إملاءاتهم وربما يصبحون أكثر حذراً، هذا ما يوحي به تصريح أحد المسؤولين الامريكيين (نحن لسنا ضد محاولة مساعدة هذه الحكومة لكننا نرفض الثقة فيها) وقد تم التعبير عن هذا الحذر الأمريكي بفرض قيود شاملة على رعايا عدة دول من الراغبين بدخول أمريكا ومنها سوريا، وكانت تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين المقربين من ترامب بالاتجاه نفسه بالقول هذا يتطلب وقفة جادة من قبل حكومة الشرع و يكون ذلك بالإسراع بتطبيق اتفاق 10 اذار مع قسد ودمجها بالمؤسسة العسكرية وبناء جيش محترف بعقيدة وطنية سورية، كما طالبنا نحن في “تيار مواطنة”، جيش يرتكز على الجنود وصف الضباط والضباط المنشقين عن النظام البائد وإعادة كل من لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين بعد دراسة ملفاتهم، جيش يعتمد التجنيد الالزامي باعتباره الضمانة لتشكيل بنية بعيدة عن الطائفية، كذلك لابد من إعادة تأهيل ودمج عناصر الفصائل التي شكلت نواة الجيش والأمن بشكل جدي وفرزها بعد دورات تخصصية مركزية تعتمد العقيدة الوطنية بقصد التخلص من العقلية الفصائلية
أخيراً وليس آخراً، رب ضارة نافعة، ولعل هذه الحادثة تحث على إعادة النظر بإجراءات تخص بنية المنظومة الأمنية وفي إطار من التعاون الإقليمي والدولي.
” تيار مواطنة”
26/12/2005
![]()
💋 Dating for sex. Join 💬👉 yandex.com/poll/43o224okZdReGRb1Q8PXXJ?hs=4ff4adcb3aa17558d4bd0cc16b0ddbb5& Case № NOAU2481269 💋
g2nbtz