الانسحاب الأمريكي وأثره على المنطقة
أضاف سقوط حكومة “أشرف غني” في أفغانستان إثر انسحاب القوات الأمريكية في 15 آب/ أغسطس الفائت موجتين كبيرتين مختلفتي الاتجاه؛ الأولى موجة من الفرح الغامر جاهر فيها الإسلاميون والقوميون والشيوعيون، وموجة ثانية وجلة مترقبة، ويمكن وصفها بالساخطة على ما قامت به إدارة بايدن.
لقد شكل هذا الانسحاب الأمريكي وسقوط أفغانستان تحت سيطرة حركة طالبان جملة من النتائج المباشرة- بغض النظر عما يمكن أن يتمخض عن هذا الانسحاب من مشاكل لإيران ولروسيا وللصين- لا يمكن إغفالها في أي تحليل للواقع الراهن:
اذ يمكن اعتبار عودة طالبان إلى حكم أفغانستان، بداية، كدافع ومحفز معنوي خطير لكل حركات الإسلام السياسي، والجهادي منه بشكل خاص، لاستعادة المبادرة في سوريا والعراق وليبيا وتونس والجزائر، لا بل في كل ساحة ممكنة.
ويمكن اعتبار التخلي الأمريكي عن أفغانستان بمثابة ضربة مباشرة لمبدأ “التضامن الإنساني” الذي يستند إلى موقف دولي داعم في مواجهة أنظمة الطغمة، سواءً أكانت دينية، كما في أفغانستان وإيران، أم كانت قومية-شوفينية كما في سوريا وأمثالها. وليس غريباً ما نشهده من تحليلات عن تخلي الأمريكان الوشيك عن العراق وسوريا وانسحابها إلى داخل حدودها، مُخليَة المجال أمام الطموح الإمبراطوري لروسيا والصين وإيران وتركيا في المنطقة. وعلى الرغم من كون الردود من قبل المسؤولين الأمريكيين مازالت مطمئنة لجهة عدم ترك الساحات المشار إليها وبقاء الدعم الأمريكي للأطراف التي تحارب إرهاب داعش والقاعدة فإن ما حصل قد أحدث هزة مبررة في الوضع الدولي لجهة الشامتين كما لجهة المتخوفين.
بالطبع، يتفرع عما سبق نتائج أقل أهمية، حول قدرة شعوب المنطقة على إقامة دول عصرية، وحول دور الفساد والبنية الاجتماعية المتخلفة، وكل تلك الأسئلة المشروعة عن بنية مجتمعاتنا وأثر الأنظمة الشمولية السابقة على تطورها، لكن جملة هذه النتائج توضح مآلات السياسة في بلداننا ومدى قدرة القوى السياسية الديمقراطية على العمل في “بيئة عمل سامة”؛ محلياً، بوجود أنظمة شمولية مستعصية على التغيير؛ وإقليمياً، بوجود مطامع دول إمبراطورية كإيران وتركيا وإسرائيل؛ ودولياً، بوجود دولتين عظميين تبحثان -بجد منقطع النظير- عن الأنظمة المعادية لكل انعتاق وتحرر لدعمها دبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً، إن اقتضى الأمر.
منذ أدركت الشعوب والأنظمة ضرورة وجود مبدأ التضامن والتعاضد والتحالف فقد ساهمت التحالفات بين الأنظمة، بفعالية، في قمع الحركات الثورية من “كومونة باريس” إلى “الثورة الإسبانية” وحتى “الانتفاضة السورية”. بالمقابل شددت جميع النظريات الثورية المناصرة للشعوب على نفس المبادئ للتضامن بين الشعوب وخاصة في ظل اختلال موازين القوى لصالح أكثر الأنظمة وحشية وتدخلية وانتهاكاً لجميع مواثيق حقوق الشعوب وحقوق الإنسان كدور روسيا والصين.
من هنا، يمكن اعتبار الانسحاب الأمريكي هزة عنيفة لمبادئ التضامن الأممي- على الرغم من جميع المسوغات التي قدمها المسؤولون الأمريكيون من أن هدف الدخول إلى أفغانستان كان محاربة تنظيم القاعدة وطالبان التي ساعدته، وليس إقامة دولة ديمقراطية (كذا!)- لكن الأيام القادمة قد تعيد لهذا المبدأ رونقه، خاصة إذا لاحظنا شدة الهجمة التي تجهز لها قوى الشمولية والاستبداد عبر العالم والتي لا يمكن أن تسمح للدول الديمقراطية بالانسحاب أمام هذا التوحش الوشيك، كما يمكن ملاحظة رد فعل الأطراف المتضررة من التدخل السافر لإيران وروسيا والصين في منطقتنا عبر مبادرات وبرامج جديدة قد تؤسس لقواعد عمل جديدة في مواجهة قوى الاستبداد الشمولي العالمية والإقليمية. لا تنبع ضرورة إيجاد قواعد عمل جديدة من التخوفات المبررة لتخلي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية عن المواجهة مع حلف الدول الشمولية فقط، بل يجب أن ننطلق من الفهم الحقيقي للأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة ودول أوربا الغربية وحقائق الصراع الاجتماعي والسياسي والضغوطات المتعددة التي تخضع لها الأحزاب الحاكمة، إضافة إلى الازمات الاقتصادية والصحية التي تواجهها هذه الدول. إذن، من موقع صاحب المبادرة والمسؤول عنها، يجب أن نصوغ قواعد عمل جديدة تتجاوز الاتكالية والاعتماد على ما تقدمه دول الغرب الديمقراطي نحو تحالف وطني داخل كل دولة في المنطقة، يؤسس لقيام قوى تدافع عن قيم الديمقراطية والعدالة وتحارب الإرهاب بكل أشكاله حتى ولو بدأ هذه التحالف بأجنة ونويات صغيرة وقليلة العدد. هذه الأجنة يمكن لها أن تحمل مشروع التغيير، وأن تفرض الدعم على الدول الغربية الديموقراطية، لأنها الأدوات الشرعية للتغيير، ولا يجدر بنا أن ننسى أن تغيير الأنظمة بدون حامل وطني حقيقي سيجهض وستحل محله قوة إقليمية تستغل غياب الدولة الوطنية كما حصل في العراق بعد 2003 وكما يحصل الآن في ليبيا واليمن وأفغانستان وإلى حد ما لبنان.
قد تكون بعض التحركات التي تقوم بها “حكومة الكاظمي” مقدمة لقيام تحالف في المنطقة يواجه التدخل السافر لإيران في شؤون هذه الدول وقد يكون ذلك أيضا ًبدعم من الأمريكيين والأوربيين لتحجيم هذا التدخل، لكن ولنقر أيضاً بانه رغم عدم الرضى الإيراني عن عقد هذه المؤتمر لكن لم يعارضونه بشدة رغبة منهم بعدم الظهور كمعرقل لاستعادة العراق لسيادته ومبادرته في المنطقة.
منذ بدأ التدخل الإيراني في العراق لم ينشأ وضع مؤات للعراقيين لتثبيت أركان دولة عراقية سوى في المرحلة الحالية بوجود الرغبة الحقيقية والتصميم على تثبيت أركان الدولة بعد أن وفرت الظروف المعاشية والأمنية الرغبة الحقيقية “للشارع الشيعي” لهذا التغيير. أما الشارع السني والكردي في العراق فقد ثبتت رغبتهم بهذا التغيير، لكن بدون أن يظهروا في الصورة وبدون أن يتصدروا مشهد الاحتجاجات في الشارع العراقي.
بالمقابل، لا يمكن سحب نفس الاستنتاجات على ما يجري في لبنان، فعلى الرغم من الانهيار الكبير في كل مناحي الحياة اللبنانية فإن بقاء الكتلة الأكبر من “شيعة لبنان” خلف حزب الله وولاية الفقه سيبقي محاولات التغيير محكومة بصيغة التقاسم الطائفي المعتاد والذي لن يسمح بقيام تحالف شعبي وطني يدعم قيام نظام سياسي وطني وقادر على مواجهات تحديات المرحلة التي تمر بها البلد، وقد يكون من سخرية أقدار لبنان أن يظل محكوماً بنظام دمشق، سواءً أكان في أوج قوة الاخير أو ضعفه، وبالتالي البحث بجدية عن طرق ملتوية لإدخال الوقود والكهرباء إلى هذا البلد المحكوم بدولة صورية وبدويلة ميليشياوية مرتبطة بنظام الملالي.
الوضع لا يختلف كثيراً في الأردن المحكوم بملكية مستقرة إلى حد ما، لكنها بلا موارد، لذلك تسعى هذه الدولة الجارة لسوريا أن تفتح طرق “الترانزيت” عبر تفاهمات مع النظام السوري لزيادة واردات الدولة ولتمرير أنبوب النفط من مصر إلى سوريا إلى لبنان بغض نظر من الأمريكان، فمرور هذا الخط في الأراضي السورية يعتبر خرقاً لعقوبات “قيصر” وتمويلاً للنظام من خارج المسموحات التي تخص الغذاء والدواء.
في كل الأحوال التي ناقشناها، من كابول إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق، يمثل التدخل السافر في خيارات شعوب المنطقة ومنع قيام أنظمة حكم وطنية- ديمقراطية مستقرة، السمة الأبرز لعلاقة إيران وروسيا والصين بدول منطقتنا، مما يعني بالمقابل، ضرورة وجود تدخل مقابل يعدل ميزان القوى لصالح معادلة التغيير بالسعي إلى قيام دولة المواطنة في جميع هذه الدول التي عانت طوال عقود من أنظمة حكم شمولية، وغيبت عن شعوبها أبسط مفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة. ويمكن أن نضيف، أنه في ظل التدخل السافر لمنظومة الدول المعادية لحقوق الانسان كروسيا والصين، وفي ظل تسخير الأنظمة الشمولية القائمة في سوريا وإيران لجميع موارد الدولة الاقتصادية والعسكرية والأمنية، فإن وجود تدخل أممي مدعوم من قبل منظومة الدول الداعمة لحقوق الإنسان والديموقراطية سيكون دعماً حاسماً لانتصارها، أو سيكون مقتلاً في حال الانسحاب وتركها لمصيرها في مواجهة آلة القتل والدمار.
لن نأتي بجديد إن قلنا أن الحل في سوريا ما لم يستند إلى الدعم الدولي المدعوم أمريكياً وأوربياً سيكون على حساب الشعب السوري صاحب المصلحة بالتغيير والطامح لإقامة دولة المواطنة، فالروس والإيرانيون، في دعمهم اللامحدود، للسلطة-الطغمة سيعيدون تأهيل هذا النظام بكامل صلفه وربما برموزه، بالمقابل، نحن نواجه عجزاً جلياً في قوانا الذاتية أمام هذا الهجوم. وليست المرة الأولى في التاريخ أن يؤدي التدخل “الرجعي” لتثبيت سلطة الدكتاتورية، لكننا في هذه المرحلة الحساسة نواجه، ليس فقط هجوم داعمي السلطة، بل أيضاً، عجزنا عن الفعل وعجزنا عن تلاقي القوى التي تعدل ميزان القوى لصالح قضيتنا، كما أثبتنا -وعلى طول الخط- انقسامنا تجاه المواضيع الأكثر حساسية في حالتنا السورية؛ الهوية الوطنية والديمقراطية وعلمانية الدولة وحقوق الأقليات والإنسان. نحن بحاجة ماسة لتلاقي الوطنيين السوريين والدخول إلى فضاء العمل المشترك، ولأن الواقع يقول: مهما كان دور الدعم الخارجي مهماً، فإن دور الحامل الداخلي لهذا الدعم سيبقى حاسماً، وبغيابه ستكون كل مشاريع الدعم بلا طائل أو مؤقتة ولنا في تجارب ليبيا والعراق وأفغانستان دروس وعبر، فهل سنؤسس لحالة وطنية تحمل هذا المشروع وتجبر المجتمع الدولي على تقديم كل التسهيلات والدعم لنجاحه؟ قد تكون الأيام القادمة حاسمة في هذا الاتجاه، ويجب أن نكون مستعدين.
تيار مواطنة
مكتب الإعلام 8 أيلول/ سبتمبر 2021