الانسحاب الأمريكي من شرق الفرات
يدور النقاش بشكل دائم في أمريكا، سواء على مستوى حزبي أو فردي أو في المؤسسات الأمريكية، بين النزعتين التدخلية والإنسحابية، ورغم التقدم والتراجع الذي تحققه كل من النزعتين أثناء الحملات الانتخابية أو بعد الوصول للبيت الأبيض، من حيث المواقع المقترحة/ أفغانستان، العراق، سورية…. أو من حيث حجم الانسحابات أو شمولها، فقد أصبح الانسحاب نحو الداخل منذ بداية عهد أوباما ملمحاً أمريكياً، وهو الذي كان قد أعلن منذ 2011 عن انسحاب من أفغانستان ينتهي عام 2014، واستمر هذا النهج في عهدي ترامب وبايدن رغم الخلاف الواضح بين الرئيسين الأخيرين في معظم، إن لم نقل في جميع، مناحي السياسة الخارجية، والداخلية أيضاً.
و بهذا المعنى فإن الانسحاب المنفذ من أفغانستان لابد من أن يدفع للمقارنات مع المواقع الأخرى، وما يهمنا هنا هو ما يخص سورية، فمن المعروف أن الرئيس الأمريكي السابق كان قد اتخذ القرار بالانسحاب من سورية عام 2019 لكنه تراجع عنه بعد معارضة داخلية. وقد شهدت فترة ترامب تناوباً بين تبريرات متنوعة وأحياناً متناقضة، فهي أحياناً تربط بقاء الوجود الأمريكي في سورية ليس فقط بمواجهة داعش وعدم السماح لها بالعودة من جديد، بل بالضغط على النظام السوري لتحقيق تسوية سياسية وفق 2254، وبعدم السماح للنظام بالاستفادة من بترول المنطقة الشرقية في إعادة البناء قبل الانضمام إلى التسوية السياسية، وأيضاً في عدم السماح لإيران باستخدام المنطقة كممر لإمداد قواتها وميليشياتها في سورية ولبنان، ومن الطبيعي أن تشكل هذه المحددات مصدر ارتياح حقيقي لأنصار التغيير في سورية الذين يجدون أنفسهم معزولين وضعفاء ويفتقرون للدعم، وفي أحيان أخرى تتخلى التصريحات الأمريكية عن هذه الشمولية في معالجة الوضع السوري وتكتفي بالقول أن داعش قد هزمت، وهو الأمر الذي كان أساساً وراء التدخل الأمريكي في سورية، مثلما كانت ملاحقة القاعدة وأسامة بن لادن وراء الدخول في أفغانستان.
وفي جميع الأحوال فإن الوجود الأمريكي في شرق الفرات هو أقرب لوجود رمزي من حيث حجمه/900/ جندي، خاصة بعد تنفيذ بعض الانسحابات الجزئية، لكن ذلك لا يقلل من أهميته، أولاً في موازنة وضبط النفوذ الروسي الدولي والنفوذ الإقليمي التركي والإيراني، وثانياً كونه يعتمد على قوات مسلحة محلية، كردية وعربية ومتنوعة، مع السيطرة الواضحة عسكرياً وسياسياً للقرار الكردي، والكردي الأبوجي تحديداً، الذي أخذ مكانته القوية بسبب مواجهته الشجاعة لداعش، حتى في مناطق لا يشكل فيها الكرد أغلبية، وهذا ما أدركت إشكاليته السياسة الأمريكية، فشجعت حواراً كردياً–كردياً ودعمت تشكيلات عربية عشائرية ليكون لها نفوذ خاصة في مناطق الأكثرية العربية.وفي جميع الأحوال يجب على “مسد” خاصة، وعلى جميع القوى والفعاليات السياسية في المنطقة الاستعداد لمواجهة احتمال الانسحاب الأمريكي المستبعد حالياً، أو ربما تغيير شكل الوجود العسكري بما يسمح بالمحافظة على دعم دولي يسمح ببقاء المنطقة بعيدة عن مخالب الأسد.
إن رمزية أو محدودية الوجود الأمريكي تضعف الحجة التي يتم تناولها داخلياً في أمريكا من حيث كلفة التدخل التي تترتب على دافع الضرائب الأمريكي، كما أن عدد القوات المحدود وعدم مشاركتها الواسعة في أعمال قتالية يضعف احتمال التسبب بخسائر بشرية، وبالمقابل فإن الانسحاب الكامل سيكون لمصلحة روسيا التي كانت قد بدأت في أخذ مواقعها الاستراتيجية على المتوسط، وهي إن لم تكن منافساً اقتصادياً لأمريكا فهي منافس سياسي وعسكري لا يخفي رغبته في اقتناص المواقع.
وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهل الاتجاهات الموجودة داخل أمريكا المعارضة لبقاء القوات في الخارج ، والتي لن نتعرض لنقاش حجتها هنا، والتي تجادل أن أمريكا تكلفت كثيراً ولم تنجح في بناء دول أو أنظمة حكم في الشرق الأوسط، مثلما نجحت في إعادة بناء دول مثل اليابان وألمانيا، وبالتالي يتوجب عليها الانسحاب من العراق وسورية مثلما فعلت في أفغانستان.
ورغم أن القادة الإيرانيين تنفسوا الصعداء بعد خسارة ترامب ووصول بايدن وبدء المفاوضات للعودة للاتفاق النووي والتي لا تزال متعثرة حتى الآن، خاصة وأن القيادة الإيرانية بعد الانتخابات صلبت من موقفها التفاوضي، فإن الضغط على إيران من خلال سورية، بحده الأدنى الذي يعني عدم السماح للنفوذ الإيراني في سورية أن يكون دعماً للموقف التفاوضي، وبحده الأقصى الذي يعني الضغط على إيران لتغيير سياساتها في الإقليم كله، سورية، لبنان، العراق، اليمن، هذا الضغط يشكل ميزة استراتيجية يصعب تصور التخلي عنها ببساطة، وهنا أيضاً لا يمكن للموقف الأمريكي أن يتجاهل مصلحة الحليف الإسرائيلي الذي لا يمكن أن يقبل أبداً التساهل مع إيران.
هكذا فإن إغراء المقارنة والقياس لا يجب أن يدفع للاستنتاج أن أمريكا طالما انسحبت من أفغانستان فهي ستنسحب من شرق الفرات في سورية، والأمر بالنهاية هو رهن الأوضاع الملموسة في كل بلد ووفق المعطيات والسياقات التاريخية، وبعيدا عن بعض العناوين الصحفية المثيرة، وبعيداً عن الرغبات، فإن الانسحاب من سورية لا يبدو مرجحاً في الأمد المنظور، فلا يزال مبرر مواجهة داعش قائماً في بعض أرياف المحافظات السورية، كما أن احتمال الانسحاب الأمريكي من العراق، مع بقاء مستشارين، قد يترتب عليه ضرورة البقاء في سورية، ورغم بعض الإرهاصات التي تتعلق بفعالية الدور الروسي في درعا والضغط لتفعيل اللجنة الدستورية، وطرح فكرة اللامركزية في شرق الفرات، باعتبارها محاولات للخروج من الطريق المسدود أمام ما يرغب به الروس والدول المجاورة لسورية، من تعويم للنظام السوري من جديد فإن تحول احتمال الانسحاب من سورية إلى حقيقة يرتبط بجملة من المتغيرات التي لم تبدأ بعد والتي قد يكون أهمها الشروع الفعلي في التوافق على، ودعم التطبيق الفعلي للقرارات الأممية الخاصة بالانتقال السياسي في سورية.
مكتب الإعلام – ١٥ أيلول ٢٠٢١
Nizar Baarini
صديقي المحترم،
مع احترامي لوجهات النظر المختلفة ، الولايات المتحدّة تنسحب تكتيكيّا فقط عندما تجد وكلاء موثوقين ، يضمون مصالحها بأقلّ الأثمان .
حتّى في اوروبّا ، ورغم انتهاء الحرب الباردة ، وعدم وجود تهدبد حقيقي لتلك الدول ، ما تزال قواعدها رابصة على قلوب الأوروبيين . في العراق تحتفظ باكبر قواعدها في الشرق الأوسط، ويتشارك السلطة وكلائه مع ميليشا الحشد الشعبي. في افغنستان ، عندما اعلن بايدن الانسحاب لم يكن موجود اكثر من الفي جندي ، سحبهم ، واعاد حوالي ستة آلاف بءريعة تأمين حماية المنسحبين ، لكي يسمح لطالبان بالاطاحة بالحكومة القادمة، لانّها اكثر قدرة على حماية مصالح بلاده ، ولاّنّها ميليشيا طائفية . في سوريا ، لم يعد ثمّة سلطة دولة ، وتمّ اجهاض الحل السياسي، لتكون النتيجة سيطرة الميليشيات الطائفية، وهو انجاز امريكي بإمتياز !!
في معظم دول الشرق الأوسط ، المنطقة الأكثر حيويّة بالنسبة لمصالح الولايات المتحدّة، تسيطر سلطات ميليشيات طائفية.
تاريخيّا ، طيلة سنوات الحرب الباردة ، وكّلت واشنطن في منطقتنا سلطات انظمة ديكتاتورية / استبدادية .
بعد انتهاء الحرب الباردة، وسيطرة المليشيات الثورية على السلطة في إيران، ١٩٧٩ ، بدأت تعتمد بشكل متزايد على سلطات الميليشيات الطائفية ، في ايران ولبنان والعراق وأفغانستان وفلسطين ، ثمّ عممت وجودها في المنطقة من خلال حروب الثورة المضادة للتغيير الديمقراطي، خلال العقد الماضي في سوريا ، واليمن وليبيا ، على حساب مؤسسات الدولة،وهو مؤشّر كبير على تغيّر في ادوات السيطرة الاستراتيجية الأمريكيّة، ينبغي على النخب العمل على فهم دوافعه الأمريكية، عوضا عن الحديث عن انسحابات ، تبيّض صفحة السياسات الأمريكيّة، وتعفيها عن مسؤولياتها .
كلّ الاحترام والتقدير.