الخروج من عنق الزجاجة
يبدو احتمال نهوض سورية، أو انبعاثها من جديد أمراً غامضاً وصعباً، يحاول كثير من المثقفين والسياسيين السوريين المخلصين فهمه بل ورسمه والتخطيط له، في حين يغرق الشعب السوري في مشاكل تتعلق بالضروريات الأولى للحياة، التي تجعل الاهتمام بما هو أبعد من الحياة اليومية المعيشة ترفاً لا يعنيه.
وأول ما يواجه الحلم في النهوض هو ما يمكن تسميته التعقيدات الخاصة بالمجتمع السوري، وفي مقدمتها طبيعة الدولة السورية، فقد تحولت الدولة، أو على الأقل مشروع الدولة، التي قامت بعد الاستقلال، إلى مجرد خادم لتأبيد السلطة، وبالطبع هذا ما كان عليه الوضع عموماً في الدول “الثورية” العربية مصر، سورية، العراق..الخ. ولسنا معنيين هنا بالخصوصيات التي تميز هذه التجارب عن بعضها.
ما يهمنا هو أن هذه السلطات أقامت بنىً عميقةً أساسها حصر استخدام القوة بها كسلطة وليس كدولة، لأن حصر استخدام القوة في الدولة عملية مقبولة، عندما تكون مرجعيتها دستورية وقانونية وشرعية، وهذا لا يحصل إلا في البنية الديموقراطية. وقد يكون من العوامل المساعدة في استمرار هذه السلطات، على الأقل في مراحلها الأولى، تشاركها مع توجهات شعبيه عارمة وطنية وقومية واشتراكية، لم يتبق منها –بعد زمن- إلا الشعارات الوطنية التي ارتدت لبوسا جديداً هو “الممانعة” بالتشارك مع حلفاء إقليميين، طبعاً استخدمت هذه السلطات كل ما من شأنه ترسيخ حكمها في براغماتية ومكيافيلية ناجحة تجاوزت أية معايير أو اعتبارات حقوقية أو إنسانية، مستفيدة من تواطئ أو على الأقل قبول عالمي بها كدولة “علمانية“، ومن حيث النتيجة أصبح التغيير من الداخل شبه مستحيل، فلا غرابة أن استمرت عائلة الأسد في الحكم 51 عاماً حتى تاريخه، ولا غرابة أن تفشل كل المحاولات في إسقاط الأنظمة الشبيهة كالعراقي والليبي إلا بتدخل خارجي حاسم. وحتى الآن لا تبدي السلطة السورية أي استعداد حقيقي للقبول بتسوية سياسية بل تعيق أي تقدم ممكن، حتى في مسائل جزئية كاللجنة الدستورية، رغم الضغوط التي يمارسها الحليف الروسي.
إذن الموضوع يخص ما يمكن اعتباره مأزق التغيير في سورية، وهو مأزق يخص المجتمع لكنه يخص الدولة أو السياسة، وذلك حتى لا نقع في التباس إمكانية التغيير أو النهوض المجتمعي، دون أن يترافق ذلك بالضرورة بالتغيير في المستوى المحدِد أي المستوى السياسي. و لا يبدو التغيير من الداخل رهاناً قوياً، باستثناء وجود احتمالات درامية أو مفاجئة من نوع موت الرئيس وخلخلة موقع الرئاسة، أو حصول صراع على السلطة وانقسام الجيش، بمعنى وجود طرفين أو أكثر يحملان مشاريع مستقلة للحكم أو إعادة السيطرة على الوضع. وحتى في هذه الحالة من الصعب تصور أن يستمر أو يتطور هذا الصراع بعيدا عن إرادة الأطراف الإقليمية والدولية، خاصة الإيراني والروسي، بما أصبح لهما من دالة فاعلة و أدوات محلية، لكن دورهما لا يمكن أن يمضي في تأثيره بعيداً عن الإرادة الأمريكية، والإرادة الإسرائيلية عند اللزوم.
إذن يبقى الاحتمال الرئيس للتغيير هو التوافق الدولي المستند إلى صراعات أو توافقات المصالح السياسية الدولية، والذي مرجعيته القرار 2254، الذي يمثل تطبيقه الحل الأمثل الواقعي أو الممكن الذي يمكن أن يخرج سورية من عنق الزجاجة، وفي حين أن الولايات المتحدة الأمريكية تُعتبر الطرف الأكثر إصراراً على تطبيق القرار 2254 فإنها لا تتدخل بطريقة فاعلة لتنفيذه.
ولا تزال بعض النخب السورية تراهن على إسقاط النظام أو إزاحة الطاغية، وبالوقت نفسه طرد جميع الاحتلالات، وهو أمر يبدو منطقياً وينسجم مع متطلبات الاستقلال والسيادة الوطنية لأي دولة، التي يحفظها لها القانون الدولي، بغض النظر عن أية شعارات وطنية، ولكن في الظروف الملموسة في سورية، وبعد العشرية القاتلة والمدمرة، ترتبط مسألة طرد الاحتلالات والقوى الأجنبية بمسار التغيير السياسي، بحيث تصبح مهمةً ملقاةً على عاتق النظام الجديد في الفترة الانتقالية.وفي جميع الأحوال، ومن الناحية الواقعية، لا يمتلك أحد في سورية تصوراً عن إمكانية الخلاص من الاحتلالات قبل بدأ الانتقال السياسي.
لكن بدء الانتقال السياسي لا يعني أن سورية قد خرجت من مأزقها، فأمامها طريق صعب وقابل للانتكاس قبل أن تنجح في حل المشاكل الهامة المتعلقة بطبيعة الدولة القادمة، وربما أولها إعادة صياغة متفق عليها للهوية السورية التي كانت في طور التشكل بعد الاستقلال، لكنها تعرضت لانتكاسة، قبل أن تكتمل، بحيث بدت وكأنها بحاجة إلى إعادة البناء من جديد، فالحديث عن الهوية السورية المعتمدة على المواطنة يواجه تحديات عديدة واقعية وملموسة، فلأي درجة يقبل “الانتماء العربي” الاندراج في الوطنية السورية دون شعور بالغبن قد يتعرض له انتماؤه القومي العربي في دولة رعت ودعمت هذا التوجه فكانت عاصمتها تسمى –عن حق- قلب العروبة النابض.
وفي بلد ذي ثقافة إسلامية، لم يتوصل بعد إلى قبول الفهم العلماني حول حيادية الدولة، وحول قبول دستور وقوانين مرجعيتها غير دينية، هل سيقبل المجتمع بعدم معارضة الهوية الوطنية بالهوية الدينية؟
وحيث ساهمت السنوات العشر الماضية في تركيز وتركز الانتماء الطائفي، بسبب ممارسات النظام والقوى الإسلامية والمتطرفة، هل ستقبل الهويات الطائفية في الاندراج تحت الهوية الوطنية دون التفكير في مؤسسات سياسية تحفظ لها خصوصيتها الطائفية خوفاً أو انغلاقاً أو استقواءً بأكثرية عددية؟
وفي بلد توجد فيه أقليات قومية، كرد وسريان وتركمان وشركس وأرمن، تختلف في ظروف تجذرها التاريخي وفي درجة تركيزها على هويتها الخاصة ومطالبتها بحقوقها القومية، التي تكفلها المواثيق الأممية، في مثل هذا البلد هل تعتبر هذه الأقليات أو المكونات أن الانتماء للهوية السورية يكفل لها حقوقها الخاصة؟ واقعياً فإن الكرد، وفي خصوصية معينة للوضع السوري، يشكلون كياناً سياسياً خاصاً لا يزال يحظى بدعم دولي، خاصة أنه كان خصماً حقيقياً ل“داعش“، ويسيطر على جغرافية تتجاوز أماكن تواجده التاريخية.
من الواضح انه لا توجد حلول ووصفات ناجحة لجميع الإشكاليات التي تعيق نهضة المجتمع السوري، وربما ستحل الكثير من المشاكل من خلال صيرورة صعبة ومعقدة، تنتظرنا قبل وأثناء الشروع في التغيير السياسي، وإن رؤيتنا للدور الحاسم للمجتمع الدولي لا تنسينا أن حالة المعارضة الراهنة لا تبعث على الاطمئنان، ولا تلبي متطلبات المرحلة، لذلك يبقى ضرورياً إقامة أوسع الحوارات، ونسج أفضل العلاقات بين جميع قوى التغيير، وإقامة الأشكال الممكنة من التحالفات، مساهمة في تحضير البديل الديموقراطي، خاصة بين تلك القوى التي تتفق على إقامة الدولة الديموقراطية العلمانية.
مكتب الاعلام في تيار مواطنة – ١ أكتوبر ٢٠٢١