ماذا بعد سوتشي
ماذا يعني أن يؤكد بوتين واردوغان الاصرار على ”إخلاء ادلب من الارهابيين“؟
لقد اعتدنا على تصريحات أردوغان المتبدلة حول سوريا وعدم إجراءه اللازم حيال عزل المتطرفين والارهابيين وتشكيلات ”تنظيم القاعدة“ المختلفة المسميات في الشمال خلال العقد المنصرم من الحرب السورية، وما جرى من أحداث وتراجعات في مناطق خفض التصعيد بضمانات روسية- تركية، وما تلاها من تراجع المواقف التركية، بالتزامن مع توسع مساحات النفوذ الميداني لقوات النظام المدعومة روسياً وإيرانياً خلال جولات أستانة وسوتشي العبثية، والتي تلخصت بدعم حليفي الأسد لاستعاد سيطرة ”قوات الحكومة“ على كامل الجغرافيا السورية وبالتالي كسب المعركة بالنقاط على الطريقة الروسية. انعكس كل ذلك كتراجع للدور التركي وزخمه من ضامن -بموجب الاتفاق الروسي، التركي، الإيراني- وحليف لممثلي الثورة السورية وناطق بلسانها أحياناً. وبعد أن أدخل التركي جزءاً مؤثراً من وحداته العسكرية كنقاط مراقبة ما لبثت أن تراجعت عن مواقعها أمام تقدم جيش النظام وحلفائه وتقهقر فصائل المعارضة، كل ذلك يضعنا امام حقيقة أن السياسة التركية قد بدأت بالتراجع فعلياً ومنذ التدخل الروسي القوي لصالح الاسد عام ٢٠١٥ ، التراجع من مستوى تبني ”المشروع الإسلامي السنّي“ وما اليه كدعمهم لمعظم فصائل المعارضة السورية المشبعة بوهم الخلافة والعثمانية البائدة، الى مستوى آخر يكتفي بتبني هموم الأمن القومي التركي في مواجهة خطر الكرد -حسب زعم الترك- الذي بدأ يتعاظم جدياً منذ دحر ”قوات سورية الديمقراطية“ لداعش بدعم التحالف الغربي وبالتالي سيطرتها الواسعة على الأرض وثرواتها بالجزيرة وشرق الفرات. وانحسرت بالتالي السياسة التركية بمنع قيام أي مشروع كيان كردي على خاصرة تركيا، وربما بمرتبة أقل لحماية حدودها من تدفق المزيد من اللاجئين السوريين، والاكتفاء بحصة ما من النظام القادم في سوريا فيما إذا جاء الحل السياسي العتيد.
ولكن ما هي نتائج قمة ”أردوغان- بوتين“ الاخيرة في سوتشي؟ على الأقل من خلال الوقائع على الأرض، وليس من خلال التصريحات الشحيحة التي اكتنفها الغموض -مع غياب مؤتمر صحفي أو بيان ختامي عن لقاء القمة- حيث ما زال قصف النظام والروس مستمراً على إدلب وشمال حلب، مع استمرار عدم وفاء أردوغان بتعهداته في التخلص من القاعدة والمتطرفين، كما ويستمر التحشيد البري في هدف معلن هو السيطرة على طريق M4 وشماله ب ١٢ كم، ليتبقى فقط شريط شمال طريق M4 قد يكفي لاستيعاب مخيمات النازحين المعزولين هناك، بما يسعد نظام الأسد ويساعده في التخلص من مسؤولية خدمة هذا التجمع البشري الكبير من مهجري المناطق السورية المنتفضة بوجه السلطة/الطغمة، وبالتالي تركهم لقدر مأساوي عقاباً جماعياً لهم يضاف الى قائمة جرائم الحرب التي ارتكبها ويرتكبها نظام الأسد، تحت مرأى ومسمع العالم.
من جهة أخرى -وفي مواجهة برودة الرئيس الامريكي ”بايدن“ تجاهه- ينعطف أردوغان للروس شرقاُ وكمحاولة لتعويض تلكؤه في تنفيذ تعهداته شمال سوريا راح يعقد مع بوتين صفقات دفاعية محتملة كالعمل على انتاج محركات نفاثة وسفن حربية وغواصات بشكل مشترك، ويتحدث عن مشروع بناء مفاعل نووي ثان وثالث. وتأكيد العزم على شراء صفقة ثانية من أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية S-400، والتعاون في مجال استكشاف الفضاء من خلال إنشاء منصات لاختبارات إطلاق الصواريخ إلى الفضاء، يأتي ذلك لاستمالة الدب الروسي الذي بات يحاصر إدلب ويضغط عسكرياً باندفاعة وتحشيد مازال يثير قلق الأهالي هناك ويستمر الخوف على مصيرهم المعلّق بين فكي الكماشة، إذ يخشى من تراجع النقاط العسكرية التركية مجدداً وعليه ستكون مصداقية تصريحاتهم بعد القمة على المحك: اذ قيل “لا يوجد تغيير في إدلب. وسنحافظ على الوضع الراهن هناك“، بالتالي تتحقق صفقة جديدة مع الروس على حساب الدم السوري ويحقق بعدها النظام مزيداً من السيطرة على الأرض.
إننا في تيار مواطنة إذ ندرك صعوبة التخلص من ”هيئة تحرير الشام” التي أثبت ذراعها الأمني جدارة تحظى بتأييد شعبي نسبي أمام تدهور الحالة الأمنية في مناطق ”الجيش الوطني“ وانتشار فضائح المخدرات والانتهاكات، لكن تركيا لن تعدم الوسيلة للتخلص من الكتائب الأكثر تشدداً كحراس الدين والتركستان وأمثالها، كما ندرك حجم التراجع الذي وصلت إليه القضية السورية، والذي يعود برأينا الى اختلال موازين القوى، وإلى سياسة الإبادة الشاملة والافراط بالقوة التي استخدمها النظام وثبات حلفاءه خلفه، فضلاً عن بؤس تفاعل المعارضة السورية مع الإرادة الغربية -باعتبارها حليفاً في وجه السلطة- وعدم التجاوب مع طلبها محاربة الإرهاب أولاً، ومنع تسلل القاعدة والتطرف إلى صفوف الثورة السورية، وبدرجة أقل بسبب تصاعد نفوذ الروس مع تراجع الدعم الأمريكي -على محدوديته بالأساس- بما فيه من التفويض -غير المعلن- لروسيا التي دخلت عسكرياً ٢٠١٥ لتنهي احتكار الدعم الايراني وميليشياتها للنظام ولتمنع احتمال سيطرة متطرفي القاعدة وأمثالها على دمشق.
ومن جهة أخرى لا يسعنا إلا الإشارة الى أثر التدهور الاقتصادي وانحدار مستويات المعيشة وتردي مقومات الحياة الأساسية للسوريين في الداخل، مع تفاقم معدلات الفقر وغياب الصحة والتعليم خلال سنوات الحرب، الأمر الذي يتيح للطغاة زيادة جرعة استبدادهم وغلوهم وتجدد فرص استمرارهم على جثة شعوبهم المقهورة.
وعليه نعود للتأكيد على أهمية بناء الجبهة الديمقراطية السورية العريضة للضغط على المعارضة بفريقيها غرب وشرق الفرات الى الالتقاء والتخلي عن الأوهام الفئوية القومية الشوفينية أو المشاريع الإسلامية العابرة للوطنية، وضرورة عودة الجميع إلى قرار سوري- سوري يستجيب لتطلعات الشعب في الديمقراطية والمواطنة المتساوية، فلم يفت بعد الأوان لقيامة السوريين والوحدة بوجه كل من الاستبداد القابع في دمشق، والتطرف المتجدد كداعش وشقيقاتها، وبالتالي مطالبة الإدارة الامريكية بالعمل الجدي مع تركيا والادارة الذاتية لإزالة المخاوف وأسباب العداء بينهما، تمهيداً لبناء تعاون قوى المعارضة بشقيها في فريق ”ائتلاف قوى الثورة والمعارضة“ أو ”قوات سوريا الديمقراطية“، من أجل رفع فرص المعارضة التفاوضية مقابل النظام وحلفائه والمضي بحل سياسي ذي معنى، ما يضع حداً لحلم طاغية دمشق الكيماوي بالعودة الى التفرد بسلطة البلاد.
تيار مواطنة
المكتب الإعلامي ٧ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢١