قانون “تجريم التعذيب”، طالما الحكي ببلاش

منذ زمن طويل لم يعد من معنى لنقد النظام السوري، بات ينتمي نقد هذا النظام المتهافت إلى باب لزوم ما لا يلزم. والحق إن في نقد نظام طغمة الأسد ما يكسبه بعض القيمة غير المستحقة، ذلك لأنه في سياساته وممارساته بات عارياً من كل ما يحتاج إلى نقد وتعرية. وقد بات مجرد قياس سياساته على مقياس عقلاني أو وطني بغرض النقد، يسبغ عليه، بحكم تجاوزه كل اعتبار عقلاني أو إنساني أو أخلاقي في سعيه الدائب للحفاظ على الذات، ما لا يستحق من اعتراف ضمني بأن سياساته يمكن معايرتها على مقاييس عقلانية أو وطنية أو أخلاقية.على هذا الضوء، ليس غرضنا، في التعليق على قانون تجريم التعذيب الذي أصدره النظام مؤخراً، سوى رؤية الحضيض الذي تبلغه هذه الأنظمة في نظرتها إلى ذاتها وفي نظرتها إلى علاقتها بمحكوميها.

يأتي إصدار هذا القانون بعد 52 سنة من حكم انحدر بثبات وتسارع من حكم حزب أوحد إلى حكم طغمة عسكرية إلى حكم عائلة. ويوافق صدور هذا القانون “الإنساني” مع بلوغ النظام مستوى شديد الانحطاط من الحيوانية، نقصد تعامله مع محكوميه وفق غريزة البقاء في الحكم على حساب أي قيمة أخرى.

من الطبيعي أن تثير هذه المفارقة الانتباه، وأن تتحرر في الرأس الكثير من الأسئلة مثل: لماذا كان مثل هذا القانون غائباً عن طغمة الحكم نفسها طوال العقود الماضية؟ أليس في ذلك إدانة ذاتية واعتراف صريح بالسماح بتعذيب المعتقلين سابقاً؟ وماذا عن ضحايا التعذيب ما قبل هذا التاريخ؟ في ذمة من عذاب هؤلاء، طالما أن النظام الذي عذبهم هو نفسه النظام الذي “يجرم التعذيب”؟ كيف يمكن تفسير صدور مثل هذا القانون اليوم في حين يموت ويهترئ ويتعفن عشرات آلاف السوريين الأبرياء في محتجزات لا يعرف أحد طريقاً إليها، لا أهالي المحتجزين ولا المنظمات الحقوقية ولا الجمعيات الإنسانية؟

لا يمكن لعاقل يعرف نظام طغمة الأسد أن يتوقع إجابات على هذه الأسئلة أو مثيلاتها، ذلك أن مبدأ الطغمة بات مبدأ حيوانياً محضاً هو غريزة البقاء على حساب أي شيء آخر. هنا يأتي السؤال: كيف يمكن لهذا القانون أن يخدم بقاء الطغمة، في حين إنه، من المفترض، ان يحرم مخابراته، من وسيلة دفاع أساسية وهي التعذيب لانتزاع الاعترافات؟

في الجواب ينبغي أن لا ننسى أن أي قانون لا يعني شيئاً حين يعيق آليات اشتغال النظام في الحفاظ على ذاته. لا يمكن لأي سوري، أكان معارضاً أو موالياً أو بين بين، أن يساوره أدنى شك في أن حفلات التعذيب كانت تجري على قدم وساق قبل وأثناء وبعد توقيع هذا القانون “التاريخي”. فالمخابرات السورية، التي هي عصب النظام، كانت وتبقى فوق كل اعتبار وكل قانون وكل دستور، لأن مركز السلطة والقرار محفوظ ومصان في يد الرئيس والدائرة الضيقة حوله، بعيداً بالكامل عن أي ظل من التشاركية أو توازع السلطات أو فصلها … الخ.

أما لماذا يصدر القانون الآن، فلا يمكن البحث عن جواب سوى في الحسابات الخارجية للطغمة التي تدرك أن الأنظمة الديموقراطية في الغرب تقيس القوانين بمنطوقها ولا تنتبه إلى بيئة القانون التي تحيل هذا المنطوق إلى عدم وقد تجعله وبالاً على الناس. كما كان الحال مع المحاكمات التي أجراها نظام الأسد في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، للمعتقلين السياسيين، ففي حين رحبت بها الأنظمة الديموقراطية الغربية على أنها تطور ديموقراطي مهم، كانت في الواقع مصيبة على المعتقلين لأنها فارغة من أي معنى للعدل أو للمحكمة.

على هذا، وكما كان قرار الأسد الأب بالإحالة إلى المحاكم، للحد من الضغوط الغربية عقب موجة التحول الديموقراطي التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، يأتي قرار الوريث بمنع التعذيب، لمعالجة الجهد الهولندي والكندي نحو محاسبة النظام السوري أمام محكمة العدل الدولية على جرائم تعذيب، بعد أن كان النظام قد وقع على اتفاقية مناهضة التعذيب في 2004، وإن كان النظام قد تحفظ على المادة 20 من الاتفاقية التي تتيح إمكانية القيام بجولات تفتيش مفاجئة للسجون ومراكز الاحتجاز.

يبدو للعين المجردة أن ما يردع طغمة الأسد ويجعلها تحترم محكوميها لفظياً هو الضغوط الخارجية، وهذه الضغوط نفسها هي ما يتطلع إليها السوريون البؤساء لرفع يد النظام عن رقابهم ولو قليلاً. هل يمكن الوصول إلى انحطاط سياسي أكثر من أن تكون الدولة “الوطنية” هي “المستعمر” والعدو المباشر للشعب، وأن يكون الخارج هو أمل هذا الشعب في المساندة ورفع الصوت للحصول على بعض حقوقه؟

تيار مواطنة- نواة وطن

مكتب الإعلام 3 نيسان 2022

Loading

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة