المخاض العسير والولادة المؤجلة للعدالة الإنتقالية – افتتاحية الموقع

تحدثنا سابقًا عن أن مسار العدالة الانتقالية طويل وبطيء وشاق بطبيعته، فهي ليست كالعدالة الجنائية التي تتطلب فقط سوق الأدلة وإصدار الأحكام، بل، كما أسلفنا، هي منظومة من التدابير القضائية وغير القضائية، يُفترض أن تشمل بناء الدولة والانتقال من حالة الحرب والنزاع والاستبداد إلى دولة يسودها القانون والعدل والمساواة والمواطنة المتساوية.
وقد أوردنا عددًا من التجارب، ومنها تجربة رواندا الغنية، التي تُعد واحدة من أبرز النماذج العالمية في الانتقال من مجتمع ممزق بفعل الإبادة الجماعية إلى دولة مستقرة ومزدهرة اقتصاديًا. فقد واجهت رواندا تحديًا هائلًا تمثل في العدد الكبير من الانتهاكات وانهيار النظام القضائي، إذ بلغ عدد المتهمين قرابة (120,000) متهم.
وللتعامل مع هذا الواقع، ابتكرت ثلاثة مستويات للمحاسبة. أولًا: المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، التي ركزت على محاكمة من أُطلق عليهم «السمك الكبير»، وكان مقرها في تنزانيا. ثانيًا: المحاكم الوطنية التي تولت محاكمة مرتكبي الجرائم من الفئة الأولى. وثالثًا: محاكم «الغاكاكا» (Gacaca)، وهي محاكم محلية اعتمدت على إشراك المجتمع المحلي، ونظرت في أكثر من مليون قضية، وساهمت، في كثير من الحالات، في استبدال العقوبات السالبة للحرية بخدمات مجتمعية، بهدف إعادة دمج الجناة في المجتمع وتعزيز السلم الأهلي.
كما اعتمدت رواندا تدابير غير قضائية، منها «لجنة الوحدة والمصالحة الوطنية»، التي صممت برامج لمحو أيديولوجيا الانقسام، ومبادرة «أنا رواندي»، وهي حملة وطنية هدفت إلى تجاوز التصنيفات العرقية، إضافة إلى معسكرات «إنغاندو» التأهيلية الإلزامية، التي عززت قيم المواطنة والتضامن، فضلًا عن إنشاء قرى للمصالحة، يعيش فيها الناجون والناجيات جنبًا إلى جنب، بما أسهم في ترميم النسيج الاجتماعي.
وهذه التجربة الغنية، التي يمكن الاستفادة منها، إلى جانب تجارب أخرى سبق أن تناولناها، تؤكد أن لكل دولة حكايتها وخصوصيتها، فلا يوجد مسار للعدالة الانتقالية يشبه مسارًا آخر.
ومن خلال قراءتنا للحالة السورية، ولمسار العدالة الانتقالية ومخاضها العسير، وتأخرها وتعثرها، نجد أنها تواجه تحديات جسيمة، وقد تصبح ولادتها متعثرة إذا استمر التعاطي معها بالطريقة التي نشهدها اليوم.
ولعل ذلك ما دفع الحكومة الانتقالية إلى الاتجاه، مضطرة، نحو العدالة الجنائية، باعتبارها الخيار الذي تراه أكثر ملاءمة لاعتبارات عدة. فالاعتبار الأول يتعلق بمرجعيتها الفكرية، التي تجعل من الصعب عليها تحقيق الحياد الكامل في النظر إلى الضحايا والمتهمين على حد سواء. فكيف يمكن، على سبيل المثال، مساءلة من سبى الإيزيديات، أو من هاجم قرى العلويين، ضمن رؤية قانونية مجردة، بعيدًا عن الاعتبارات الأيديولوجية والسياسية؟
وعلينا كذلك ألّا نغفل دور السرديات التي أصبحت، مع مرور الوقت، حقائق راسخة في أذهان كثيرين، رغم الشك في صحة بعضها. فقد تبناها الإعلام الشعبوي، ووسائل التواصل الاجتماعي، وحتى الرأي العام، فتحولت إلى مسلمات تضغط على القضاء، وتقيد عمل العدالة الجنائية، فما بالك بمسار العدالة الانتقالية.
فمحكمة الجنايات تعتمد في إصدار أحكامها على أدلة يقينية تُقدم ضمن ملف الدعوى، وتُناقش بين الخصوم وفق الأصول القانونية. فإذا كانت الأدلة كافية صدر حكم بالإدانة، أما إذا لم تكن كافية، فإن المحكمة تقضي بالبراءة لعدم كفاية الأدلة. وحكم البراءة لا يعني بالضرورة ثبوت براءة المتهم، وإنما يعني أن جهة الاتهام لم تتمكن من تقديم الأدلة القانونية الكافية، لأن عبء الإثبات يقع على عاتقها.
فهل ما يجري اليوم من محاكمات تُرفع تحت عنوان العدالة الانتقالية، أو حتى العدالة الجنائية، يسير وفق هذه المبادئ؟ وهل ما زال المتهم بريئًا حتى تثبت إدانته؟ أم أن الإعلام والضغط الشعبي تحولا إلى محكمة موازية تقيد القاضي وتؤثر في استقلاله، فضلًا عن تأثير مرجعياته الفكرية والقضائية؟
فالقاضي لا يحكم وفق ما تتداوله وسائل الإعلام، بل وفق الأدلة المطروحة أمامه. وقد تعجز جهات الاتهام عن الوصول إلى الدليل اليقيني، فهل يستطيع القاضي، في ظل هذا المناخ، أن يطبق القاعدة الرومانية التي تقول: «أن يفلت مئة مجرم من العقاب خير من أن يُدان بريء واحد»، والقاعدة الفقهية التي تنص على: «لأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة»؟
وهناك تحدٍ آخر يتمثل في معالجة ملفي السويداء والساحل، اللذين يعدان من أكثر الملفات حساسية. فقد أنهت لجنتا التحقيق الوطنيتان أعمالهما، وأحالتا ما تضمنته الملفات من شبهات جنائية إلى القضاء. في المقابل، اعتبرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا أن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت في الحدثين قد ترقى إلى جرائم حرب، وفتحت الباب أمام إمكانية توصيفها أيضًا بأنها جرائم ضد الإنسانية.
فهل يمكن بناء العدالة من خلال تبني رواية طرف واحد؟
فالعدالة لا تُفاضل بين الضحايا على أساس الهوية، بل تنصف جميع الضحايا على قدم المساواة، ولا تميز بين المتهمين إلا على أساس المسؤولية الفردية وثبوت الجرم. أما المفاضلة بين الضحايا، أو الانتقائية في ملاحقة الجناة، فإنها تعيد إنتاج أسباب الصراع، وتفقد المجتمع ثقته بمسار العدالة. فالأساس هو الاعتراف بجميع الضحايا، ومحاسبة جميع مرتكبي الجرائم والانتهاكات الوحشية والبربرية، بغض النظر عن هوياتهم أو انتماءاتهم. ويبقى السؤال: هل تكفي العدالة الجنائية وحدها لمعالجة هذه الملفات بعد أن باتت بعض الانتهاكات مصنفة على أنها جرائم ضد الإنسانية؟
أما سياسيًا، فقد تجاهلت السلطة القيام بمبادرة شاملة، رغم اعتراف الرئيس بأن السلطة وقعت في الفخ في أحداث السويداء. وهذه المبادرات، إذا ما صدرت عن السلطة، تعد جزءًا أصيلًا من مسار العدالة الانتقالية، لأنها تعكس الاعتراف بالمسؤولية، وتهيئ لفتح حوار وطني، وتسهم في ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع.
أما التحدي الآخر، فيتمثل في أن مرسوم إحداث هيئة العدالة الانتقالية اقتصر على جرائم النظام البائد المرتكبة قبل تاريخ 8/12/2024، بينما كان الأجدر أن يشمل جميع الجرائم والانتهاكات، بغض النظر عن مرتكبيها أو تاريخ ارتكابها، وعلى كامل الجغرافيا السورية، لأن الشمولية مبدأ أساسي من مبادئ العدالة الانتقالية، وكشف الحقيقة، وعدم الإفلات من العقاب.
ويبرز تحدٍ لا يقل أهمية، يتمثل في العدد الكبير للمشاركين في ارتكاب الجرائم والانتهاكات. فعلينا ألا نختبئ وراء إصبعنا، وأن نتحلى بالشجاعة في مواجهة هذا الملف، مهما بلغت صعوبته، وأن نستفيد من تجارب الدول التي سبقتنا في هذا المجال.
ومن وجهة نظرنا، فإن معالجة هذا الملف تقتضي تصنيف المتهمين وفق جسامة الجرائم، وعدد الضحايا، ومستوى المسؤولية، وذلك ضمن ثلاث فئات رئيسية:
الفئة الأولى: تضم المسؤولين عن أخطر الجرائم والانتهاكات، وعددهم لا يتجاوز عشرات الأشخاص، وهؤلاء يجب أن يخضعوا لمحاكمات جنائية صارمة، ويفضل أن تكون أمام محاكم ذات طابع دولي أو محاكم مشكلة دوليًا، ضمانًا لأعلى درجات النزاهة والاستقلال.
الفئة الثانية: تضم كبار مرتكبي الجرائم، وعددهم بالمئات، وتخضع هذه الفئة للمحاكمات الجنائية وفق معايير المحاكمة العادلة، مع فرض العقوبات التي تتناسب مع جسامة الجرائم المرتكبة.
الفئة الثالثة: تضم مرتكبي الانتهاكات الأقل جسامة، وعددهم قد يبلغ مئات الآلاف. وهنا لا يكون الحل بالضرورة في العقوبات السالبة للحرية، بل يمكن لمسار العدالة الانتقالية أن يبتكر حلولًا تحقق المساءلة والمصالحة في آن واحد، مثل الخدمة المجتمعية، أو الاعتذار العلني، أو المشاركة في برامج إعادة التأهيل، أو غيرها من التدابير التي تساعد على إعادة دمج الأفراد في المجتمع، دون الإخلال بحقوق الضحايا.
وإلى جانب المحاسبة، لا بد من اعتماد برامج حقيقية لجبر الضرر المادي والمعنوي، وتعويض الضحايا، وبلسمة جراحهم، بما يسهم في تخفيف الألم، والحد من الرغبة في الانتقام والثأر. ويشمل جبر الضرر التعويض المالي، ورد الحقوق، وإعادة التأهيل، كما يشمل التدابير المعنوية والرمزية، مثل الاعتذار الرسمي، وإقامة النصب التذكارية، وتخليد ذكرى الضحايا، وغيرها من الإجراءات التي تعيد الاعتبار لهم.
بالنتيجة، فإن العدالة الانتقالية لن تحقق أهدافها ما لم تكن شاملة، محايدة، منصفة لجميع الضحايا، وتطبق معايير موحدة على جميع مرتكبي الجرائم والانتهاكات، بصرف النظر عن هوياتهم أو انتماءاتهم. فبهذا قد نصل إلى السلم الأهلي، والمصالحة الوطنية، وبناء دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
أن العدالة الانتقالية في سوريا ستكون (هذا أن ولدت) شوهاء كسيحة وفي احسن الأحوال عرجاء في ظل سلطة الأمر الواقع الراهنة.
الفريق الاعلامي – ٢٤-٧-٢٠٢٦
![]()
اترك رداً