مقابلة أحمد الشرع… أزمة رؤية تتوارى خلف عمومية الخطاب

جاءت مقابلة رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع مع قناة الجزيرة في برنامج “المقابلة” مع علي الظفيري في لحظة مفصلية من عمر هذه المرحلة، حيث ينتظر السوريون إجابات واضحة عن مستقبل شكل نظام الحكم، وآليات بناء مؤسسات سلطة الحكومة المؤقتة، وإجراءات تضمن استعادة الثقة بين السلطة والمجتمع. إلا أن المقابلة، برأي تيار مواطنة، كشفت عن استمرار الفجوة بين الخطاب السياسي ومتطلبات المرحلة، إذ اقتصرت معظم الإجابات على عبارات وعناوين فضفاضة غابت عنها الرؤية الواضحة في القضايا التي تمس معاناة السوريين متعددة الجوانب، وفي مستقبل سوريا وشكل الحكم المنشود مع انتهاء المرحلة الانتقالية.

في حديثه عن مطالب الغرب بالديمقراطية، قال الشرع إن الحكومة تدفع السوريين إلى اختيار حكامهم وصياغة قوانينهم من خلال مجلس الشعب الحالي، وإنها تسير وفق نموذج للحكم يليق بسوريا. غير أن هذا الطرح يفتقر إلى مقومات الإقناع، لأن مجلس الشعب نفسه تشكل عبر آليات تعرضت لانتقادات واسعة، وشابت عملية تشكيله إشكاليات تتعلق بالتمثيل والشفافية والاستقلالية والصلاحيات المنقوصة. فالديمقراطية لا تُقاس بوجود مجلس يحمل هذه التسمية، بل بوجود انتخابات حرة ونزيهة، وتنافس سياسي متكافئ، وقضاء مستقل، وإعلام حر، وضمان حق المواطنين في اختيار ممثليهم ومحاسبتهم. ومن دون هذه الأسس، يبقى الحديث عن المشاركة أقرب إلى الوصف الإنشائي منه إلى الممارسة السياسية الفعلية.

كما أن تقديم أحمد الشرع بوصفه “قائدًا للثورة السورية” في ظروف صعبة ومعقدة، يمثل تفخيماً في غير محله لم يدعه الشرع لنفسه علناً. فمن المعروف أن الثورة السورية افتقدت قيادة موحدة في جميع مراحلها، بصرف النظر عن ادعاءات التمثيل التي رفعتها أطراف المعارضة المختلفة. كما أن استتباب السيطرة لهيئة تحرير الشام في إدلب لم يجعل من زعيمها ممثلاً للثورة السورية، بل قائداً لتنظيمه والفصائل التي خضعت له. ويتجاهل هذا التوصيف حقيقة أن الثورة كانت ثورة شعب، شارك فيها ملايين السوريين، وقدموا مئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين والمفقودين، وملايين المهجرين والنازحين. واختزال هذه التضحيات في شخص أو فصيل لا يسيء إلى التاريخ فحسب، بل يعيد إنتاج منطق احتكار الشرعية الذي ثار السوريون ضده منذ البداية.
وفي الشأن الداخلي، لم تقدم المقابلة تصوراً واضحاً لإدارة التنوع السوري أو إنهاء الإقصاء السياسي والإداري الذي تعاني منه مناطق عديدة، ولا سيما الجزيرة ودير الزور والرقة. كما لم تطرح رؤية لبناء مؤسسات تمثل جميع السوريين على أساس المواطنة المتساوية، بل اكتفت بعناوين عامة لا تجيب عن الأسئلة المتعلقة بالشراكة الوطنية، وإعادة بناء الثقة بين السلطة والمجتمع، وآليات الانتقال إلى نظام سياسي يضمن المشاركة الحقيقية لجميع السوريين.

أما في القضية الكردية، فقد اقتصر الحديث على إصدار مرسوم يمنح الجنسية السورية لغير المجنسين من الكرد، والتأكيد على أن الكرد ليسوا هم “قسد”. ورغم أهمية معالجة قضية المحرومين من الجنسية، فإن اختزال الملف الكردي في هذه الخطوة يتجاهل جوهر القضية، بوصفها قضية حقوق دستورية ومواطنة متساوية وشراكة سياسية كاملة ضمن دولة المواطنة. كما أن الفصل بين الكرد و”قسد” لا يغني عن تقديم رؤية سياسية شاملة لمعالجة القضية الكردية بالحوار، بما يضمن حقوق جميع المكونات السورية في إطار وحدة البلاد وسيادتها، بعيداً عن المقاربات الأمنية أو العسكرية.

وفي ملف العدالة الانتقالية، أشار الشرع إلى تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، مبرراً تأخر عملها بضخامة الملف. غير أن ضخامة الملف كانت معلومة منذ اليوم الأول، وكان يفترض أن تكون سبباً للإسراع في إطلاق عمل الهيئة لا مبرراً لتأخيره، ولا سيما أن إنصاف الضحايا ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات يشكلان حجر الأساس في أي انتقال سياسي جاد. كما لم تتضمن المقابلة أي حديث عن خطة عمل الهيئة، أو معايير استقلالها، أو آليات محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، أو ضمان حقوق الضحايا. وزاد من هذا الغموض تناول أحداث الساحل والسويداء من دون إعلان إجراءات واضحة لكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى جدية مسار العدالة الانتقالية.
أما عن نهوض البلاد اقتصادياً، فكرر الشرع رهانه على الاستثمارات الخارجية، معتبراً أن النهضة الاقتصادية تحتاج، في الظروف الطبيعية، إلى ما بين عشرين وخمس وعشرين سنة، مستشهداً بتجارب مثل سنغافورة ورواندا. غير أن هذه المقارنة تغفل أن نجاح تلك التجارب قام على بناء مؤسسات راسخة، وسيادة القانون، والحوكمة الرشيدة، والشفافية، ومكافحة الفساد. كما أن إعادة تقديم تجربة إدلب الاقتصادية بوصفها نموذجاً يمكن تعميمه على سوريا لا تستند إلى معايير اقتصادية أو مؤسسية قابلة للتطبيق على دولة مدمرة ومتعددة التحديات. ويزيد من هذه الشكوك غياب الوضوح بشأن الصندوق السيادي، وهيكليته المرتبطة بالشرع نفسه لا بمؤسسات سلطة الحكومة المؤقتة، فضلاً عن غياب الشفافية حول موارده وآليات الرقابة عليه. فالسوريون لا ينتظرون وعوداً مؤجلة لعقدين، بل برنامجاً اقتصادياً واقعياً يعالج أزماتهم المعيشية، ويستند إلى أسس الحوكمة الرشيدة، ويوفر بيئة قانونية واستثمارية مستقرة تضمن تحقيق عوائد إيجابية على اقتصاد البلاد على المدى القريب والبعيد.

ومن أكثر التناقضات وضوحاً، تأكيد الشرع أن السلاح في لبنان يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، وأن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد المؤسسات الشرعية، في حين لم تتمكن سلطة الحكومة المؤقتة حتى الآن من احتكار السلاح داخل سوريا، وما تزال البلاد تشهد انتشاراً واسعاً للسلاح خارج المؤسسات الرسمية.

ولا يمكن معالجة هذه القضية بالوسائل الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى معالجة سياسية عميقة، ولا سيما في السويداء والجزيرة، تقوم على الحوار وبناء الثقة والشراكة الوطنية، وتوفير الضمانات الدستورية والسياسية التي تجعل حصر السلاح بيد السلطة الشرعية نتيجةً لبناء دولة المواطنة وسيادة القانون، لا مجرد إجراء يُفرض بالقوة.

أما في الملف المتعلق بإسرائيل، فقد تحدث الشرع عن ترتيبات أمنية قد تفضي إلى سلام شامل، مع التأكيد على عدم التخلي عن الجولان السوري المحتل. ويرى تيار مواطنة أن أي تحول بهذا المستوى لا يمكن أن يُبنى على تصريحات عامة، بل يحتاج إلى وضوح كامل في الأهداف والمرجعيات والضمانات، وإلى نقاش وطني تشارك فيه القوى السياسية والمجتمعية، لأن الأمر يتعلق بالحقوق الوطنية والسيادة السورية.

إن تيار مواطنة يرى أن الأزمة الحقيقية لا تقتصر على عمومية التصريحات، بل تكمن في غياب مشروع سياسي ديمقراطي واضح للمرحلة الانتقالية، يقوم على بناء مؤسسات شرعية منتخبة، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وعدالة انتقالية حقيقية، واحتكار السلاح بيد السلطة الشرعية، ومشاركة جميع السوريين في صياغة مستقبل بلادهم.

وبنهاية المطاف، فإن السياسات والممارسات التي تنتهجها سلطة الحكومة المؤقتة لا تخرج عن إطار الاستئثار بالسلطة، ومركزية القرار، وإقصاء الشركاء السياسيين، مع محاولة إرضاء أجنحتها المختلفة من المتشددين إلى البراغماتيين، بما يحافظ على تماسكها الداخلي أكثر مما يؤسس لشراكة وطنية حقيقية. وبدلاً من أن تكون المرحلة الانتقالية مدخلاً لبناء دولة المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون، فإنها تسير في اتجاه إعادة إنتاج الاستبداد بأدوات جديدة، وإن اختلفت الشعارات.

الفريق الاعلامي ٣١-٧-٢٠٢٦

Loading

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً