مجلس الشعب: ما له وما عليه – افتتاحية موقع تيار مواطنة

تمثل السلطة التشريعية ركنًا أساسيًا في الهيكل الدستوري لأي دولة معاصرة، فهي الجهة المخوّلة بصياغة القوانين، وتطوير الأطر الدستورية، ومراقبة الأداء الحكومي. وتكاد هذه المهمة تكون واحدة، بغض النظر عن نظام الحكم، سواء أكان رئاسيًا أم ملكيًا دستوريًا.
يعود تاريخ السلطة التشريعية السورية إلى أكثر من مئة عام، وكان يُفترض أن تكون هذه التجربة قد ترسخت ونضجت، لولا مرور البلاد بفترات غُيبت فيها السلطة التشريعية، بفعل الانقلابات العسكرية والاستبداد. لكن للمفارقة، لا يُعد هذا المجلس أول مجلس يُعيّن أعضاؤه تعيينًا أو من دون انتخاب. فهناك ثلاثة مجالس عُيّن أعضاؤها تعيينًا. وبعد انتهاء التجربة البرلمانية الأولى بالقوة العسكرية الفرنسية إثر احتلال دمشق في تموز 1920، أُنشئت مجالس تمثيلية محلية للكيانات السورية، لكنها لا تُعد برلمانات بالمعنى الواسع للكلمة. وفي عام 1923، عيّن المفوض السامي الفرنسي المجلس النيابي، واستمر عمل تلك المجالس في مراحل لاحقة ضمن ظروف سياسية استثنائية.
وبعد انقلاب البعث عام 1963 وتعطيل الحياة البرلمانية حتى عام 1965، جرى تعيين مجلس تمثيلي بمسمى «المجلس الوطني لقيادة الثورة»، بلغ عدد أعضائه 95 عضوًا، ثم وُسّع في شباط/فبراير 1966 إلى 135 عضوًا. وفي عام 1971، وبعد حركة حافظ الأسد، صدر مرسوم بتعيين 173 عضوًا تحت مسمى «مجلس الشعب»، واستمر لمدة سنتين.
ولم تكن أغلب المجالس المنتخبة في الحقبة الأسدية تختلف عن ذاك المجلس المعين، حتى وصلنا إلى مجلس الشعب الانتقالي الحالي، الذي عقد أولى جلساته الشهر الماضي. وقد تم تشكيله عبر هيئة ناخبة صدر مرسوم رئاسي بتعيينها، لتتولى اختيار أعضاء المجلس، فيما بقي الثلث من حصة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الذي قام بتعيين أعضائه، وفق ما ورد في الإعلان الدستوري.
ولو ألقينا نظرة على طريقة تشكيله وصلاحياته، على الرغم من المهام المصيرية الكبيرة المنوطة به، فالملاحظة الأهم في هذا المجلس، كما هو الحال في باقي السلطات، هو وجود هذا الرابط أو النسغ الإسلامي الواضح.
على الرغم من تطوره الكبير منذ مجلس شورى جبهة النصرة، ولاحقًا مجلس الشورى العام الذي انبثقت عنه حكومة الإنقاذ في إدلب، وعلى الرغم من كونه لا سلفي ولا جهادي ولا تكفيري، ولا يتطابق بالتأكيد مع القواعد التراثية والفقهية التي استنبطت من النص القرآني الذي يأمر بالشورى مثل مجلس شورى عمر بن الخطاب السداسي الذي قام بتعيينه، إلا أن وجود هذا النسغ أو الخيط الإسلامي واضح وجلي، علينا ألا نخادع أنفسنا بذلك. وهو، بالتأكيد، ليس مجلس شورى بالمعنى الإسلامي التقليدي الذي وضع النص القرآني أسسه، وكان من أبرز أمثلته مجلس الشورى السداسي الذي عيّنه عمر بن الخطاب.
فالمجلس الحالي يضم نساءً وأعضاء من مختلف المكونات والطوائف، وهذا لا يتوافق، بحسب بعض التفسيرات الفقهية التقليدية، مع مفهوم مجلس الشورى في صورته التراثية. لكن ذلك لا يمنع ظهور هذا النسغ أو الخيط الإسلامي في المجلس وغيره من المؤسسات والشخصيات التي بقيت وفية لهذا التوجه، والتي تتمتع بتأثير في صناعة القرار.
وقد ظهر تأثير هذا النسغ، أو بدا واضحًا، بحسب ما تردد عن اجتماع عُقد قبل يومين من انعقاد أولى جلسات المجلس، وجمع الرئيس بأعضاء المجلس وشخصيات مؤثرة في صنع القرار. وقد بدا التباين بينهم واضحًا، ولا سيما في مسألة تشكيل مكتب المجلس ورئاسته.
وسيظل هذا النسغ حاضرًا، وسيظهر بصورة جلية طوال فترة انعقاد المجلس، سواء في تشكيل اللجان، أم في بعض المسائل الشكلية، أم حتى فيما يصدر عن المجلس من قوانين، شئنا أم أبينا.
أما منذ لحظة الولادة وبداية التشكيل، فقد كانت طريقة الانتقاء محكمة ومدروسة، إذ بدا تمثيل الطوائف والإثنيات والنساء شكليًا، لا يتجاوز الطابع الديكوري، ولا يحمل بُعدًا أو دورًا سياسيًا حقيقيًا، ولا حتى تمثيلًا طائفيًا أو عشائريًا فعليًا، إذ جرى الاعتماد على الممثلين بوصفهم أفرادًا.
وقد مرّت هذه الترشيحات عبر تزكيات وفلاتر أمنية وسياسية تابعة لإدارة الشؤون السياسية، بصورة محكمة.
ثم جاءت صياغة النظام الداخلي، الذي يُفترض أن تكمن أهميته في ضبط المسار الإجرائي داخل البرلمان، وأن يكون خط الدفاع الأول لضمان اضطلاع المجلس بدور دستوري وتشريعي حقيقي.
فقد أُسندت إلى رئيس المجلس صلاحيات واسعة تشمل وضع جدول الأعمال، وتحديد كل ما سيُعرض على المجلس من بنود ومقترحات ومشروعات قوانين. كما امتدت صلاحياته إلى التأثير في عمل اللجان الدائمة والمؤقتة، وشملت تشكيلها، وتسمية أعضائها ورؤسائها، والإشراف على أعمالها، بما قلّص مساحة استقلالها وإدارتها الذاتية.
وقد وجد المجلس نفسه أمام هندسة مؤسسية وزّعت السلطة التنفيذية داخله بين رئيس المجلس ومكتبه، وهو ما ينسجم مع سياق مركزية السلطة الانتقالية وهيمنة نواتها الحاكمة على صنع القرار، فضلًا عن الصلاحيات الواسعة التي منحها الإعلان الدستوري للرئيس الانتقالي.
وامتدت صلاحيات رئيس المجلس إلى ما هو أبعد من الدور الإجرائي التقليدي، مثل إدارة المناقشات في الجلسات، وتحديد مدة انعقادها، والإشراف على البنية المؤسسية للمجلس.
كما جرى إضعاف البعد السياسي للرقابة البرلمانية على السياسة الخارجية، إذ استُبدلت لجنة الشؤون العربية والخارجية والمغتربين، التي كانت موجودة في النظام الداخلي لعام 2017 والمعنية بمناقشة السياسة الخارجية، بلجنة تحمل اسم «لجنة الشؤون الدبلوماسية والقنصلية»، وتختص بالنظر في الاقتراحات ومشروعات القوانين المنظمة للسلكين الدبلوماسي والقنصلي.
وهذا ينقل المجلس من مراقبة ومناقشة مضمون السياسة الخارجية إلى تنظيم الجهاز الإداري المنفذ لها، بما يحد من الدور السياسي للمجلس ويعزز تمركز السياسة الخارجية بيد الرئيس ووزير الخارجية الشيباني، مهندس وصانع الشؤون السياسية لهيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ في إدلب حين كان معروفاً باسم زيد العطار.
ويأتي تعديل اسم اللجنة منسجمًا مع بقية نصوص النظام الداخلي، كما ينسجم مع ضعف الدور الرقابي للمجلس ومع الإعلان الدستوري، الذي حدّ من دوره الرقابي في مواجهة وزراء الحكومة. فلا يملك مجلس الشعب منح الوزراء الثقة أو حجبها عنهم، بل تنحصر علاقة لجانه بالوزراء في طلب المعلومات والاستماع إليهم، من دون أن يقترن ذلك بآليات مساءلة ملزمة.
وامتد أثر غياب الحياة الحزبية خلال هذه المرحلة إلى تشكيل المجلس نفسه. فالنظام الداخلي أسس لحقوق وواجبات الأعضاء بوصفهم أفرادًا، بعيدًا عن التأسيس لوجود كتل برلمانية أو الاعتراف بوظيفة الأغلبية والمعارضة باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لأي عمل برلماني.
ويتسق ذلك أيضًا مع خطاب السلطة، ومن أعلى الهرم، إذ تتجنب الحديث عن الديمقراطية أو التعددية الحزبية لصالح مصطلحات مثل الشورى والتوافق، كما ظهر في توجيه الكلام إلى أعضاء المجلس: «عليكم بالتراضي والتوافق».
ويتزامن ذلك مع خطابات صدرت عن شخصيات محسوبة على السلطة، ومن تحت قبة البرلمان، تحذر من التحزب داخل المجلس في هذه المرحلة، حتى وصل الأمر إلى تشبيه من يدعو إلى التحزب أو التكتل بمن حمل السلاح ضد السلطة، وأنه ينبغي محاربتهم.
كما صدرت تصريحات أخرى تبرر مخاطر إقرار قانون للأحزاب في الوقت الحالي. لكن ذلك لن يمنع، مستقبلًا، من ظهور كتل داخل المجلس، قد تكون هشة وتتجاذبها مراكز القوى الموجودة داخل السلطة.
وقد دُعي أعضاء المجلس إلى لقاء جمعهم بالرئيس في القصر الجمهوري، وليس في مقر البرلمان، وهذه المسألة تحمل رمزيتها ودلالتها السياسية، إذ توحي بعلاقة بين سلطتين يقودها ويوجهها رأس السلطة التنفيذية، لا بعلاقة بين سلطتين تتفاعلان ضمن منطق فصل السلطات.
وبدا المجلس، حتى الآن، وكأنه يضم أفرادًا يتفاعلون مع السلطة التنفيذية ضمن إطار توافقي.
وللأسف، سيُناط بهذا المجلس عدد من القضايا المصيرية والوطنية بامتياز، مثل مراجعة التركة التشريعية السابقة، وتنظيم الحياة السياسية، رغم إعلان رئيس المجلس أنه ليس من صلاحيته إعداد مسودة دستور. وهذا الدور عادة ما تقوم به، وعلى الأغلب، جمعية تأسيسية منتخبة.
كما أن انعدام التحالفات والتكتلات السياسية التي تحمل برامج، بسبب عدم وجود أحزاب أو حياة حزبية، كما ذكرنا هذا، والانتقال مباشرة من الحرب إلى الحياة البرلمانية قد يولد ضغطًا شعبيًا كبيرًا لإصدار قوانين قد تتسم بالشعبوية أو العاطفية، وتهدف إلى استرضاء الجمهور السريع، ما ينتج تشريعات مشوبة بعيوب دستورية وثغرات قانونية، في ظل تحالفات هشة.
إضافة إلى الحماس الزائد لتغيير القوانين ونسبتها كلها إلى «النظام البائد»، في ظل نشوة الانتصار ومن يحرر يقرر، وهذا أمر خطير. فحسب مصادر المجلس، هناك 800 قانون تنتظر التعديل أو سن قوانين جديدة، وهذا يتوجب على المجلس إصدار أكثر من قانونين في اليوم.
وللعلم، وبغض النظر عن السنين السابقة، فسوريا لديها قوانين راسخة، والمس بها أو حتى تعديلها هو تشويه لها، ويمثل جريمة بكل ما تعني الكلمة، مثل القانون المدني السوري الصادر عام 1949، الذي صاغه العلامة المصري د.عبد الرزاق السنهوري واستند فيه بشكل رئيسي إلى القانون المدني الفرنسي والمذهب الحنفي وقوانين أوروبية أخرى، وكذلك قانون العقوبات، وقانون السجل العقاري رقم 188 لعام 1926، الذي نظم أعمال التحديد والتحرير والسجل العقاري.
فالقوانين تحتاج إلى عقل بارد ورصين، إذ إن وظيفتها ليست فقط الاستجابة للحظة السياسية، بل أيضًا تقنين الثورات وكبح جماحها، ومنع الانجراف وراء البروباغندا والحماس الآني.
وتنقسم المنظومات القانونية الحديثة، بصورة عامة، إلى تقاليد ومدارس قانونية متعددة، من أبرزها النظام القانوني المدني المتأثر بالمدرسة اللاتينية، ونظام القانون العام الأنجلوسكسوني، حيث تقول المدرسة اللاتينية المنتشرة في(فرنسا، سوريا، هولندا، ألمانيا، إيطاليا وغيرها): «ابحث أولًا في القانون المكتوب» فسوريا تتبع هذه المدرسة وهذا ما يزيد من خطورة التغيير العشوائي للقوانين، بينما المدرسة الأنجلوسكسونية المنتشرة في (بريطانيا، الولايات المتحدة، كندا، أستراليا وغيرها) تقول: «انظر أيضًا إلى ما قررته المحاكم سابقًا في قضايا مشابهة» باختصار.
ان تيار مواطنة يرى آن الحياة البرلمانية لا تستقيم إلا بوجود منظومة ديمقراطية حقيقية، وحياة حزبية سليمة، تنتج برلمانًا يضم ممثلين حقيقيين منتخبين ويحملون برامج سياسية واضحة. كما يتطلب الأمر وجود فصل حقيقي بين السلطات كما في الدول الحديثة، وأن يأخذ البرلمان دوره الفعلي في التشريع والرقابة والمحاسبة (التشريع وسنّ القوانين وتعديلها وإلغاؤها. الرقابة والمحاسبة: مراقبة أداء الحكومة ومساءلتها عن أعمالها وقراراتها، ومحاسبتها عند التقصير. وتمثيل المواطنين والتعبير عن مصالحهم ومطالبهم. كما الرقابة المالية بمناقشة وإقرار الموازنة العامة ومراقبة الانفاق العام) لا أن يقتصر وجوده على دور شكلي تسويقي فحسب، بالرغم من أهمية هذا الحدث المفصلي على المشهد السوري عموماً.
المكتب الاعلامي – ١٩-٨-٢٠٢٦
![]()
اترك رداً